كتبت رنى سعرتي في صحيفة "الجمهورية": لا شكّ في أن خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة قد يسبب بحرج كبير لأكبر اقتصاد في العالم، حيث سترتفع كلفة استدانة الحكومة الأميركية، أي الفائدة التي ستدفعها الولايات المتحدة للدائنين على سنداتها، بسبب ارتفاع نسبة المخاطرة.
إلا أنّ احتمال تخلّف الحكومة الأميركية عن تسديد ديونها لا يزال بعيدا، إذ اعتبر وزير المال السابق جهاد أزعور في حديث لـ"الجمهورية" أن هذا الخفض سابقة بالنسبة إلى الولايات المتحدة تحصل للمرّة الأولى، ولا شك في أن تأثيرها يطغى على الأسواق المالية العالمية أكثر مما يؤثر في قدرة الولايات المتحدة على الاستدانة.
أضاف: "بما أنّ الدولار عملة الاحتياط العالمية بامتياز، فإن تأثير الخفض في قدرة الولايات المتحدة في ما يتعلق بالتمويل ضعيف. إنما تأثيرها في الأسواق المالية كبير، وخصوصا مع تراجع الاسواق المالية خلال الاسبوعين الماضيين ومرورها بأسوأ الفترات".
واعتبر أزعور أن قرار "ستاندارد أند بورز" عكس ضعف النظام السياسي الاميركي في عملية إدارة الأوضاع المالية والاقتصادية في ظل انقسام بين الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه الرئيس الأميركي باراك واوباما والأكثرية النيابية المعارضة في الكونغرس التي تنتمي إلى حزب الجمهوريين. وقال: "ما حصل هو كباش سياسي كبير دفع ثمنه النظام المالي من خلال الخفض. هي سابقة شهدناها في عهد الرئيس بيل كلينتون في العام 1997، وأيضا في السبعينيات، إلا أن الخلاف حينها لم يصل إلى هذا المستوى".
وتابع أزعور: "السبب الرئيس وراء خفض التصنيف يعود إلى عدم قدرة النظام السياسي في الولايات المتحدة على حلّ مشكلة الدين العام الأميركي، إذ إن الجمهوريين والديمقراطيين لم يتوصلوا إلى اتفاق في شأن الدين إلا قبل ساعات من المهلة النهائية".
وأكد أن لا خوف اليوم على قدرة الولايات المتحدة في إعادة تمويل نفسها وإصدار الديون.
وفي ما إذا ما كان الخفض سيؤدي إلى اندلاع أزمة مالية جديدة على غرار أزمة العام 2008، أشار أزعور إلى أن هناك كلاما على ما يسمى "الانتكاسة الثانية" بعد مرور 3 أعوام على الأزمة المالية في العام 2008، التي انطلقت شرارتها أواخر شهر آب، أي في مثل هذه الفترة من العام. لافتا إلى أن خطر انتكاسة ثانية اليوم، أكبر من العام 2008 كون الحكومات الأوروبية آنذاك كانت لديها القدرة على مجابهة تلك الأزمة وتهدئة الأسواق عبر ضخ السيولة ورفع مستوى الإنفاق بهدف احتضان الأسواق والمحافظة على النظام المالي. إلا أن الصورة تختلف اليوم وبشكل أكثر سلبية، إذ إنّ قدرة تلك السياسة المالية على احتضان الأسواق اصبحت أقل بكثير. كما أن الانتعاش الاقتصادي الذي شهده العالم بعد الأزمة المالية في العام 2008 ليس كافيا كدينامية اقتصادية لتأمين مستوى معيّن من التوقعات الإيجابية للنمو. وأشار ألى أن في أوائل العام الجاري كانت توقعات النمو للاقتصاد الأميركي عند 3 في المئة، وقد تراجعت الآن إلى 1,5 في المئة، مما يعتبر بالنسبة إلى اقتصاد كبير بحجم الاقتصاد الأميركي تراجعا بغاية الأهمية.كما رأى أزعور أننا سنشهد مطلع هذا الأسبوع تحرّكا منسّقا من قبل قادة الدول الكبرى من أجل تهدئة الأسواق. لافتا إلى أن الأسواق العالمية شهدت تراجعا الأسبوع الماضي بنسبة 2 في المئة حتى قبل إعلان قرار وكالة "ستاندرد أند بورز"، مرجّحا أن تزداد نسبة هذا التراجع هذا الأسبوع، وواصفا الأسبوع الحالي بـ"الصعب" بالنسبة إلى الأسواق المالية، وخصوصا أنه خلال شهر آب، أي فترة العطل الصيفية، تشهد الأسواق نسبة تقلبات كبيرة، وهي شهيرة بفترة الأزمات.
وفي شأن ما إذا كان من الصعب على الولايات المتحدة أن تستعيد تصنيفها السابق "AAA"، رأى أزعور أن بالنسبة إلى أميركا ليس الأمر صعبا، إلا أن خفض تصنيفها سيجبرها على اتباع مجموعة من الإصلاحات والإجراءات الصارمة.
وفيما سيؤدي خفض التصنيف إلى زيادة قلق المستثمرين في شأن عدم مقدرة الدول الأخرى على تسديد ديونها، قد ترتفع كلفة القروض للدول والمصارف في كل مكان، وسيتم تمرير الزيادة بالطبع للمستهلكين لترتفع كلفة القروض العقارية والتجارية وحتى بطاقات الائتمان.