#dfp #adsense

مسلسل حرب الإلغاء ضد الحريري 1998 ـ 2011 “حزب الله” خاصَمَ الحريري على طول الخط

حجم الخط

بين عامي 1999 و2005، كانت لي علاقة بـ"حزب الله" بحكم موقعي الصحفي، حيث اُتيحت لي فرصة اللقاء بمعظم القادة السياسيين في الحزب، وقد تلمست منذ ذلك التاريخ أن هناك خلفية تشكيكية من "حزب الله" تجاه الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وكانت هذه الخلفية تظهر في العديد من اللقاءات التي كنت أجريها، بحيث لم يكن خافياً أن "حزب الله" يعتبر أن الرئيس الحريري يحمل مشروعاً مناقضاً لهم، أو أنه يمثل من وجهة نظرهم عقبة كبيرة في وجه مشروعهم.

فـ"حزب الله"، كان يعتبر أن الرئيس الحريري اتى إلى الحكم عام 1992 باسم "الشرق الأوسط الجديد" ليدخل لبنان في إطار هذا المشروع الإقليمي المزعوم. وفي كثير من اللقاءات كنت أسمع انتقادات لاذعة وحملات تضع الحريري في خانة أكثر من خصم، حتى تفاهم نيسان 1996 الذي ذُكر على نطاق واسع أنه شرّع المقاومة، لم يعترفوا للرئيس الحريري بفضل فيه.

واقع الأمر، أن "تفاهم نيسان" من وجهة نظر الرئيس الحريري كان يعني ثلات نقاط متزامنة: أولاً حماية المدنيين، ثانياً توسيع هامش الحركة أمام المقاومة ربطاً بحماية المدنيين، وثالثاً إدخال الدولة عبر "تفاهم نيسان" على خط المسألة الوطنية انطلاقاً من الجنوب على اعتبار أن لجنة مراقبة تطبيق تفاهم نيسان كانت تضم ممثلاً عن الجيش اللبناني، أي ممثلاً عن الدولة.

لكن "حزب الله"، لم يعترف للحريري بفضله عبر حركته الديبلوماسية المكوكية آنذاك في إنجاز هذا التفاهم. وبقى حتى وقت متقدم ينسب إلى الرئيس الحريري نية "القضاء" على المقاومة لأنه سعى في العام 1993 إلى إدخال الجيش إلى الجنوب، ثم عاد فأدخله على المعادلة في الجنوب عبر "تفاهم نيسان"، علماً أن إرسال الجيش إلى الجنوب لم يكن من جانب الحريري إلا فعل إرادة بأن تحضر الدولة على كل بقعة أرض لبنانية.

استطيع القول إن ثنائية الجيش والمقاومة قبل العام 2000 كانت لو نفذت، خطوة متقدمة. أما اليوم فهذه الثنائية لا مبرر لها، ولا معنى لها، في حين أنها في التسعينيات كانت تمثل اختراقاً إيجابياً للدولة في الجنوب في مقابل أحاديّة "المقاومة".

الحزب .. والنظام الأمني

تصاعدت الخلفية العدائية للرئيس الحريري بعد تحرير الجنوب في العام 2000. والآن، وبمفعول رجعي، يمكن القول ان "حزب الله" اكتسب قوة من خلال دعم النظام الأمني الذي بدأ مع انتخاب إميل لحود واستمر إلى لحظة سقوط هذا النظام في 14 آذار 2005. لا بل، لا مبالغة في القول إن "حزب الله" أصبح جيشاً أقوى من الجيش الرسمي بدعم من النظام الأمني نفسه.

في العام 2000 اعتبر الرئيس الحريري أن التحرير يمثل إنجازاً وطنياً كبيراً ويفتح الباب أمام مرحلة لبنانية جديدة. كما اعتبر أن إنجاز دحر الإحتلال الإسرائيلي يفسح في المجال أمام قيامة جديدة للدولة وأمام مشروعه للنهوض الاقتصادي، في حين، وهذا ما تبين تباعاً، لم يعتبر "حزب الله" أن إنجاز التحرير يستدعي الإنتقال إلى مرحلة الدولة، فكان أن أعلن استمرار مشروع المقاومة بعناوين متدرجة: مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، الدور الدفاعي، تحرير الاسرى، وصولاً إلى ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة، ومن ثم اليوم الدور الإقتصادي للسلاح.

وقد شهدت المرحلة بعد العام 2000 توترات بين الحريري و"حزب الله" رغم أنه كانت تجرى لقاءات متباعدة نسبياً بينه وبين الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله، في موازاة قناة اتصال كان يتولاها المعاون السياسي لنصر الله الحاج حسين الخليل ورئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد.

"التوقيت الخاطئ"

أول إصطدام تم عندما نفذ "حزب الله" في ربيع صيف 2001 عملية في مزارع شبعا، في أجواء كانت تؤشر إلى نوايا عدوانية إسرائيلية، فوصفها الرئيس الحريري في خانة أنها "عملية التوقيت الخاطئ"، وهو موقف غضب منه "حزب الله"والنظام السوري والنظام الأمني المشترك.

وفي ربيع العام 2002، كان الرئيس السوري بشار الأسد يستعد لزيارة باريس للقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك. هذه الزيارة كانت مسبوقة بمعطيات تفيد بأن الأسد سيبلغ الفرنسيين عن استعداده لدعم الرئيس الحريري في خطته للنهوض الإقتصادي، مما يقتضي التخفيف من المخاطر حول لبنان، لا سيما المخاطر الاقتصادية.

في هذا الوقت، وفيما كان الأسد في باريس، كان لي لقاء مع أحد كبار المسؤولين في "حزب الله". تبادلت معه المعطيات التي تقول إن تخفيفاً في عمل المقاومة يبزغ في الأفق في ضوء ما نُقل إلى الرئيس الحريري، فأجابني هذا المسوؤل إن الأسد موجود اليوم في باريس لكنه سيعود بعد يومين، وأريدك أن تبلغ "صاحبك" أن عملية للمقاومة ستحصل الأسبوع المقبل. وقل له ألا يستمع إلى أحد في ما يخص المقاومة، وإذا كان لديه ما يسأل عنه فليسأل إما بشار الأسد أو قيادة "حزب الله".

تفاجأت بما قاله المسؤول الحزبي لسبب بسيط هو أن قيادة "حزب الله" كانت اعتمدت مقولة إنها لا تعلن توقيت القيام بالعمليات، وأن الأمر يتعلق بظروف تحدد ما إذا كانت العملية ستتم أم لا، وكل ذلك في إطار "العمليات التذكيرية"بعد التحرير، لكن المسؤول الحزبي شدد عليَّ أن أنقل ذلك فوراً للرئيس الحريري، ففعلت. وكان أن فوجئ الرئيس الحريري وحاول أن يستبعد الأمر إلى أن كانت العملية بالفعل في الموعد الذي ضربه المسؤول الحزبي نفسه.

نصر الله في وجه الحريري!

كذلك في أواخر العام 2002 وبداية العام 2003، كان الرئيس الحريري في صدد الاستعداد لافتتاح جسر الاوزاعي بهدف تطوير المنطقة التي كان أسس لها مشروع "إليسار". غير أن مسؤولاً قيادياً في "حزب الله" غير المسؤول السابق أبلغني تحذيراً شديد اللهجة كي يُنقل إلى الرئيس الحريري. قال لي ما مفاده :"إن نزل رفيق الحريري إلى الاوزاعي سيجد في وجهه حسن نصر الله، ويٌفترض أن تعرف ماذا يعني هذا الكلام". وعندما أبلغت الرئيس الحريري برسالة "حزب الله" التحذيرية، وحرصاُ منه على عدم التصادم المباشر على الأرض، استدرك بحكمته الأمر وقرر إيفاد مستشاره للشؤون الإنمائية فادي فواز الذي ما كاد يصل إلى المكان حتى انهالوا عليه بالضرب وفي مقدّم هؤلاء النائب علي عمار.

أسرد هذه الوقائع لأقول كم كان الحزب مقيماً على شكوك بالرئيس الحريري وما يمثله، وكم كان على توتر دائم معه، علماً أن الرئيس الشهيد لم يكن يبادل "حزب الله" بالمثل.

وبعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، بدأت الهموم تأخذ الرئيس الحريري من الشأن العراقي، وكان شديد الحرص على العلاقة السنية الشيعية هناك، وراوده لفترة أملٌ بأنه ربما يستطيع مع "حزب الله" أن يلعبا معاً دوراً إيجابياً في العراق.

أفتح الهلالين قليلاً لأقول إن الرئيس الحريري لم يكن يجهل المعطيات البنيوية لـ"حزب الله"، لكنه كان يظن أنه بالحوار قد يدفع الحزب إلى التفكر والتبصر.

كذلك في العام 2003، وبعد إجتياح العراق، كان الحريري قد تبلغ أن وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول سيمر في بيروت بعد دمشق التي زارها في ذلك الوقت حاملاً المطالب الأميركية من سوريا.

وهنا أشهد أنه خلال الساعات الفاصلة بين تبلغه بزيارة باول وحصولها، كان الرئيس الحريري يسأل ويناقش في ما ينبغي أن يقوله للمسؤول الأميركي إذا ما جاءه طالباً موقفاً من "حزب الله" وسلاحه. استعان بحكمته وبحسن التقدير ليبت بأنه سيقول لباول أن "حزب الله" حزب لبناني واللبنانيون هم من سيعالجون أي موضوع يتعلق به. يومها منع إميل لحود حصول اللقاء، إذ أصر على أن يكون اللقاء مشتركاً بين الرؤساء الثلاثة وباول، فأبلغه لحود مواقف ما أنزل الله بها من سلطان عن السياسة الأميركية ومواجهتها. وعلى ما أذكر اكتفى باول بزيارة سريعة إلى السرايا للإطلاع على هذا المعلم، بحيث لم يجر بينه وبين الحريري حديث سياسي عميق.

يُطمئن الحزب بعد الـ1559

في أيار من العام 2004، وبعد الصدام الذي حصل في حي السلم بين الجيش و"حزب الله"، بدأت سلسلة حوارات دورية أكثر إنتظاماً بين الحريري ونصر الله. كان الحريري معارضاً للتمديد لإميل لحود، وكان "حزب الله" يحاول الإيحاء بأنه ليس تمديدياً حتما. وعلى أي حال هذا مضمون تصريح خاص أدلى به النائب رعد لـ"المستقبل" في تلك الفترة.

كان الحريري يسعى إلى البحث مع "حزب الله" في موازاة محاولته البحث مع النظام السوري بمساوئ التمديد على لبنان وحتى على سوريا، ويحاول استكشاف إمكانية التقاطع على نقاط مع "حزب الله" حول مرحلة ما بعد عدم التمديد لو لم يحصل التمديد. وكان كل ذلك مسبوقاً في السنوات السابقة بعدم مشاركة "حزب الله" في أي حكومة، لا بل مراوحته بين حجب الثقة أو الإمتناع عن اعطاء الثقة لأي من حكومات الرئيس الشهيد. إلى أن كان صدور القرار 1559، ما دفع الرئيس الحريري إلى إتخاذ مواقف تعكس حرصه على طمأنة "حزب الله، في وقت كان واضحاً للجميع أن الوجود السوري في لبنان إلى إنتهاء.

من هذه المواقف، رفض الرئيس الحريري وضع "حزب الله" على لائحة الإرهاب الأوروبية كما تأكيده إن سلاح "حزب الله" للحوار اللبناني (فيما القرار 1559 ينص على نزع أسلحة الميليشيات). وقبل كل ذلك، تدخل مراراً وتكراراً مع فرنسا والأوروبيين من أجل عدم إيقاف بث "المنار" على الأقمار الإصطناعية.

قُلْ لـ"صاحبك الحريري"..

وهنا بعض التذكير. بعد العام 2000، كانت العلاقة بين الرئيس الحريري والمعارضة المسيحية قد أخذت بالتحسن. بداية إشارات متبادلة من الطرفين كل باتجاه الآخر, موقف من الحريري ضد أحداث 7 آب 2001. مشاركة نوابه في لقاء "الكارلتون" 2001 ضد قمع 7 آب. موقف منه مع هذه المعارضة في انتخابات المتن الفرعية في حزيران 2002. زيارات منه إلى البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، وبداية شعور الأخير والمعارضة المسيحية بأن الحريري هو الزعيم المسلم الذي لن يحصل استقلال لبنان عن سوريا إلا بقيادته، على قاعدة أن المسيحيين قادوا خلاص لبنان من الإنتداب الفرنسي، والمسلمون هم من سيقودون خلاص لبنان من الوصاية السورية.

غير أن مرحلة ما بعد التمديد شهدت توطد العلاقة، لا بل التواطؤ بين الحريري والكنيسة ولقاء "قرنة شهوان"، وهو التواطؤ الذي كان سبق حصوله بين المسيحيين والنائب وليد جنبلاط. وهو تواطؤ تعزز بعد الإتيان بحكومة "اللحم بعجين" كما سماها جنبلاط في مجلس خاص، وكانت برئاسة عمر كرامي، لأن كل أعضائها كانوا يتناولون اللحم بعجين في أوقات معروفة عند المسؤول الأمني السوري محمد ناصيف.

كان التواطؤ بين الحريري القرنة جنبلاط على خوض الإنتخابات بشكل موحد في كل دوائر لبنان لتأمين أكثرية نيابية كانت تبدو حتمية بهدف نقل لبنان إلى مرحلة جديدة من الاستقلال والحريات.

في غضون ذلك كان الحزب على توتر شديد من حراك الرئيس رفيق الحريري باتجاه المعارضة. وقد ابلغني مسؤول قيادي بارز في الحزب أن هذا الحراك مرفوض ولن نقبل بحصوله، وما على الحريري إلا أن يبقى تحت جناح السوريين وعليه أن يلبّي ما يطلبه منه أبو عبده (رستم غزالة). وقال بلهجة لا تخلو من التحذير: إن حزب الله لم ينشئ مقاومة، ولم يساهم في جعل لبنان بلد مواجهة من أجل أن يأتي رفيق الحريري ويُسلم البلد إلى المسيحيين (أي "قرنة شهوان").

هذا التحذير الذي أُبلغت به، وطُلب مني نقله فيما كان الحريري مسافراً، قمت بإبلاغه. استغرب الرئيس بعض الشيء إلا أنه كان على جلسات حوار طويلة مع نصر الله يبحثان خلالها العمل معاً على فكرة الدولة وتعزيزها. وخلافاً لما ذكره نصر الله مراراً بعد إستشهاد الحريري من أن الحوار كان يدور حول المزاوجة بين الدولة والمقاومة، فإن الحوار كان بالفعل حول كيفية دخول "حزب الله" في الدولة، والحمايات والضمانات من الجميع تجاه الدولة.

وفي مرة من المرات، وقبيل استشهاد الرئيس الحريري بقليل، كنا الزميل هاني حمود والزميل جورج بكاسيني وأنا، نطرح عليه الأسئلة حول هذه الحوارات المطولة والمتسارعة، وبعضنا كان يتساءل عن جدواها، فنرفز الرئيس الحريري وقال:" أنا مؤمن بأهمية الإتيان بـ"حزب الله" إلى الدولة، لعل ذلك مطمئنٌ له، فدعوني اتابع ذلك وكفى". كان يراهن على مكوّن لبناني ما لديهم يغلب تلبننهم.

إن هذه السطور جميعاً، هي محطات من مقاربات إيجابية أرادها الرئيس الحريري حرصاُ منه على لبنان وعلى الشراكة الوطنية وعلى العلاقة الإسلامية الإسلامية، لكنها قوبلت بجدار سميك من الشكوك والريبة والعداوة من قبل "حزب الله".

جبلان يصطدمان؟

كان الرئيس الحريري رحمه الله سأل نصر الله مرة: "يا سيد أنا اعتبرك جبلاً فماذا تعتبرني أنت؟". أجابه نصر الله :"وأنت جبلٌ أيضاً". فسأل الحريري: "وهل يجوز أن يصطدم الجبلان؟" قال له نصر الله : لا وإن شاء الله خير".

استشهد رفيق الحريري بكل قناعاته .. لكن "حزب الله".. قرر أن يصطدم بالحريري الابن

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل