هو خطاب «تاريخي»، هذا هو الوصف المناسب، ولكن؛ ثمّة إجماع شعبي عربي على أن هذا الصمت العربي والذي امتدّ على مدى خمسة أشهر وكأن الذين يقتلون ويُقمعون في سورية ليسوا مواطنين عرباً مهما كانت طوائفهم ومعتقداتهم، نعم؛ بل أكثر من ذلك يتحمّل الصمت العربي والعالمي مسؤولية الدماء السوريّة، وتطوّق عنقه دماء آلاف الشهداء والقتلى والجرحى والمعتقلين!! صمت الساسة العرب هو الذي حوّل آلة القتل إلى وحش مفترس يلتهم الشيوخ والأطفال والنساء والشباب، بل هو الذي أقنع النظام في سورية أنه لو أباد الشعب السوري عن بكرة أبيه العرب سيظلون ساكتين عنه، والعالم سيغض الطرف عنه، واستسلم لفكرة الحماية الإسرائيلية التي تكفل له البقاء والاستمرار على تلال الجماجم وأنقاض بيوت السوريين!!
وحتى لا ينسى الذين تلقفوا كلمة «تاريخي» وعلقوا عندها، بأنّ أمانة الكلمة تقتضي أن نقول هو موقف تأخر كثيراً، بل تأخر سامحاً بوقوع مجازر بحقّ الشعب السوري في أيام مباركة من شهر رمضان، تأخر إلى حدّ يأس فيه السوريون من العرب وحكامّهم وأيقنوا أنهم تركوا يواجهون آلة قتل متوحشة وعاتية بمفردهم..
تنفّس العالمين العربي والإسلامي الصعداء بعد خطاب خادم الحرمين الشريفين للشعب السوري، وفي الوقت الذي أجمعت فيه كلّ المواقف على تاريخيّة الخطاب، كان المواطنون البسطاء سواء في سورية «الضحيّة» ـ التي تنتهك وشعبها على مرأى من العالم ـ ولكن في الصدور عتب كبير جداً على «ابوّة» خادم الحرمين الشريفين لصمته الطويل الذي لم يغادره إلا مساء أمس الأوّل، والشعوب العربية والمسلمة عاتبة كثيراً ليس فقط للتأخر في الانتصار للشعب السوري الذي يُباد، بل لأنّ الخروج عن الصمت العربي المروّع لم يأتِ إلا بعد تصريح هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية التي طالبت الحكام العرب بموقف إزاء ما يحدث في سورية، فانكسر بعدها جدار الصمت السميك، لكأن العيون كانت مغلقة، والقلوب كانت موصدة، والسؤال الذي يطرحه كلّ عربي اليوم:
لماذا يتأخر العرب إلى هذا الحدّ في مناصرة شعب ضعيف يُذبح كلّ يوم وتتناقل المواقع صور القتل الهمجي الذي لم تقم إسرائيل بمثله، فهمجيتها تقتصر على قتلى القصف الجوي والبحري والمدفعي، لكن القتل المتوحش وجهاً لوجه، فهذا فنّ لا يتقنه إلا الحكام العرب ويمارسونه على شعوبهم!!
كثيرون منّا علقوا آمالاً كبيرة على كلمات خادم الحرمين الشريفين التي أراحت قلوب السوريين قبل المواطنين العرب، فكلماته اختصرت ما يردده المواطنون يومياً «إن تداعيات الأحداث التي تمر بها الشقيقة سورية والتي نتج عنها تساقط أعداد كبيرة من الشهداء الذين أريقت دماؤهم وأعداد أخرى من الجرحى والمصابين، ويعلم الجميع أن كل عاقل عربياً ومسلماً او غيرهما يدرك أن ذلك ليس من الدين ولا من القيم والأخلاق»…
إلا أنّ السؤال الذي يطرحه كلّ عربي منذ الأمس: هل سيكتفي العرب فقط بالكلام، وماذا بعد خطاب خادم الحرمين الشريفين و»البراءة إلى الله من دماء الشهداء، ونصيحة اللهمّ اشهد إني قد بلّغت»، وهل ترك المواجهة الحادّة لتركيا هو أمر رشيد، فيلتفت المواطنون العرب والمسلمون صوب أردوغان ليصنعوا منه «حامياً» للشعب السوري؟!
بعد خطاب خادم الحرمين الشريفين، تُرك الشعب السوري ومواطنوه العرب على امتداد أوطانهم يحدّقون باتجاه أنقرة ووزير خارجيتها «داوود أوغلو» والرسالة الحازمة النهائيّة لنظام لم يعد باستطاعته فعل أي شيء فقد غرق في مستنقع «الدماء المتحركة»، وبدلاً من أن تكون المملكة بما تمثله قبلة أعين العرب والمسلمون اليوم، ترك المشهد للتركي ليسرق الدور العربي، كلّما ظنّنا أن هناك بصيص أمل في أن يستعيد العرب دورهم الحقيقي، أصبنا بخيبة مرّة كلما وجدناهم يتخلّون عن دورهم ومهمتهم لآخر، تارة هو إيران التي سرقت بالزيف والكلام قضية فلسطين لتقاعسهم التاريخي عن إيجاد حلّ لها، وها هم اليوم يرمون بالشعب السوري المذبوح على الصدر التركي الغاضب، لأن العرب لا يغضبون، ولا يقدرون إلا على أمر واحد «الكلام» الذي يأتي متأخراً جدا؟!