#adsense

عن فجيعة “ممانعة”!

حجم الخط

تشكل "عقيدة" إنكار الواقع وتكذيبه في مقلبها الحقيقي الوجه الآخر للاستخدام المفرط للعنف، وكلاهما يتناسل من سليقة الاستقواء على الآخر المخالف وقمعه. وقد مني لبنان قبل سوريا بانفجار هذه السليقة وارتداداتها المدمرة في نهايات صيف 2004 حين قرر النظام الأمني السوري – اللبناني التمديد للرئيس إميل لحود، ضارباً عرض الحائط ارادة لبنانية عارمة ونشوء مناخ دولي جديد قرّر وضع حدّ حاسم للوصاية السورية على لبنان.

ولا ترانا في حاجة إلى الإبحار في الصفحات الأخرى والحلقات المتسلسلة التي أعقبت تلك المواجهة باعتبار أن حبرها لم يجف تماماً بعد عن الكثير من الرواسب الحيّة الى يومنا هذا، وخصوصاً مع ملف الاغتيالات الماثل عبر المحكمة الدولية. لكن عاملاً ملحّاً يستدعي التذكير بما لا يحتاج الى إنعاش الذاكرة هو الخشية على الرئيس نجيب ميقاتي والقوى الوسطية في الحكومة من أن تذهب بجريرة "صقور" الممانعين في سياسة تفريخ الملفات الهادفة الى استعادة حالة قمعية في مواجهة المعارضة كلما توغل تورط النظام السوري في المأزق القمعي ضد الثورة السورية. ونقول القوى الوسطية لأن ثمة شرائح لبنانية، قد لا يكون صوتها مسموعاً، لا تزال تتوسم سياسات معتدلة عبر التمايز بين الرئيس ميقاتي وحلفائه على رغم انتفاء هذه المعايير بالنسبة الى قوى 14 آذار.

وما دام هذا التمايز قائماً في حدوده الدنيا، ليس ثمة مصلحة فعلية في إهماله وعدم توظيفه أقله في استمرار التعويل عليه وعدم الاكتفاء بالحالة المعارضة وحدها لمنع استحضـــار تجـــربـــــة بـائــدة كلفـت لبـــــــنان مــــا كلفتــــه ولا تزال.

والحال أن ثمة ما يشي بتنامي هذه السليقة فعلاً مع معالم التمجيد التي يطلقها بعض "الفريق الممانع" لنشوة الحسم العسكري في سوريا، وتجاهل حمامات الدم الجارية هناك. وإذا كان بعض ما يتكرر في سلوكيات حزبية نافرة بازاء تظاهرات التأييد للشعب السوري في بيروت حصراً يشكل الدلالة الثابتة على نهج قمعي متأصل، فإن استنباط ملفات وتسريبات وابتداع أنماط موروثة من ذكرى 7 آب والكثير مما تبعها لا يشير إلاّ الى ابتلاء بعض لبنان بآفة العجز عن روية الشمس في عزّ الظهيرة. وغني عن البيان أن تحكّم سليقة كهذه بالحكومة والسلطة والحكم الآن، ومع ما تشهده سوريا في حقيقته، هو الفجيعة بعينها التي يتوجب على الوسطيين أن يحاذروها. فبعض الخطاب السياسي لهذا الفريق أشبه بمحجر سياسي يرفض الاعتراف بكل ما يلهج به العالم سواه، مما يعني أن مأزق الحكومة هو منها وفيها أولاً وأخيراً.

المصدر:
النهار

خبر عاجل