مرّ وقت كانت فيه "نظرية الممانعة" غير متّحدة فيه كفاية مع "نظام الممانعة".
فنظريّة الممانعة نشأت أساساً من خلال كتابات نظرية وأخرى سجالية يمكن تلخيصها في "الرباعيّ" إدوارد سعيد، وسهيل القش، وجوزيف سماحة، وعزمي بشارة.
سعيد وضع الأسس في كتابيه "الإستشراق" و"الثقافة والإمبريالية": محاصرة كل نقد ممكن للإستبداد الشرقي باختزاله إلى ضرب من الأدب الإستشراقي الإستعماريّ الملعون.
سهيل القشّ كان أوّل من سوّق للمفهوم في كتابه "في البدء كانت الممانعة" حيث استجلب مصطلحي الممانعة والمغالبة من مقدّمة ابن خلدون.
فالممانعة الخلدونية هو ما تبديه العصبية للحؤول دون زوال خشونتها أي دون تحلّلها وتلاشيها من جراء افتتانها بشهوات المُلك وليونة الحَضَر. وعلى هذا المنوال جعل الممانعة الحديثة على أنّه ما يبديه إقليمنا الحضاريّ من ممانعة أمام كلّ افتتان بالتحديث والإستعمار المتمازجين، بل حاول تقديم المؤرّخ عبد الرحمن الجبرتي في أيّام الحملة الفرنسية على مصر بوصفه الأب الروحي للممانعة.
أما جوزيف سماحة فنظّر للممانعة في كتاب "سلام عابر. نحو حل عربي للمسألة اليهودية" عام 1993 حيث اعتبرها مرحلة تاريخية كاملة تفرضها استحالتان: استحالة الغاء اسرائيل النووية عسكرياً من جهة، واستحالة السلام الحقيقي معها من ناحية ثانية، وبالتالي استمرارية الصراع، من خلال الممانعة.
ولا يكتمل رباعيّ الممانعة إلا بعزمي بشارة. تعلّقت مساهمته "النظرية" الأولى بهدم المسعى الإنعتاقيّ الإندماجي الذي اتبعه فلسطينو 1948، والذي رمز اليه إميل حبيبي وتوفيق زياد. وتجلّت مساهمته "النظرية" الثانية بالتنظير إلى وحدة النظرية والممارسة، أي اتحاد "نظرية الممانعة" من جهة، مع "أنظمة الممانعة" وفي طليعتها سوريا وإيران من جهة ثانية، ومع حركات المقاومة وفي طليعتها "حزب الله" و"حماس" من جهة ثالثة.
وهكذا، كان المجال ميسّراً، خصوصاً بعد تعثّر عملية السلام ثم انفجار الإنتفاضة الفلسطينية الثانية وهزيمتها، ثم الإحتلال الأميركي للعراق، لإتحاد "نظرية الممانعة" مع "أنظمة الممانعة" في منظومة فكرية سياسية أمنية إقليمية مشتركة، وكانت لكل من سماحة وبشارة تجربتان في الوصل بين المستويين. وبعد ذلك جاءت حرب تمّوز 2006 لتكرّس هذا المنحى بشكل فائق، فتستتبع "نظرية الممانعة" بشكل كامل إلى "أنظمة الممانعة" فتتخلى عن ملحقاتها الإنتقادية التي كانت في الأساس تتلاشى عاماً بعد عام.
وعندما انطلق ربيع العرب، حسب كثيرون أنّه سيعمّق وحدة "نظرية الممانعة" مع "أنظمة الممانعة"، وأنّ الممانعة بفرعيها هذين سوف تمتد من المحيط إلى الخليج، وتعيد شحن "العقل الزحفي" الذي يعد نفسه باستئناف الفتوحات. ومع أنّ الشعارات الفوق وطنية كانت هامشية في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين، إلا أنّ قوى الممانعة أصرّت على أنّها الوجهة المركزية لربيع العرب.
ثم كانت الصعوبة الأولى أمام هذه القوى: الحالة الليبية. نظام يبادر إلى مجازر ضدّ الإنسانية بحقّ شعبه، وليس لشعبه قدرة على صدّه، فما العمل؟ الإستنجاد بحلف شمال الأطلسيّ أو اللامبالاة حيال استباحة العقيد القذافي لبنغازي؟
إلا أنّ الزلزال وقع مع الحالة السورية: نظام الممانعة بامتياز يتحوّل هو الآخر إلى مجازر ضدّ الإنسانية، وبنفس فئوي نافر هذه المرة، فما العمل؟
كثير من الممانعين يصرّون على "الوفاء" للنظام السوريّ. لكن كثيراً منهم أيضاً بدأوا المراجعة. وهذه المراجعة لا تزال بدائية، وبعضها يحوي كمية كبيرة من الرياء. ومن هذا الرياء، نقد "الممانعة العملية" من موقع "الممانعة النظرية"، أي استسهال امكانية الطلاق بين "نظرية الممانعة" من جهة، وبين "أنظمة الممانعة" من جهة أخرى، بل التنظير كما لو أنّ المطروح في سوريا إسقاط نظام ممانع فئوي دمويّ للإتيان بـ"نظام وطني ديموقراطيّ مقاوم". لكن أين نجد نظاماً كهذا في العالم؟ في الحقيقة، لا يجد الممانعون المصدومون من هول المجازر في سوريا غير الاستنجاد بمقولات يساروية بائدة، كانت توجّه ذات مضى لنظام الأسد لا من موقع احلال نظام ديموقراطي ليبرالي، انما من موقع احلال نظام حرب الشعب الطويلة الأمد، أي بمعنى آخر، إن بعض الممانعين لا يجد ما يحلّ به ورطته أمام دموية "البعث السوريّ" إلا العودة إلى أدبيات "البعث العراقي"، ولا يجد ما يخرجه من أزمة احتضار "الحركة التصحيحية" الا العودة إلى شعارات رفعها "البعث اليساري" في مرحلة ما قبل "التصحيح". بالتالي، لا قابلية لاعادة تكرار معزوفة "النظرية صح، والتطبيق خطأ". هذا الحد من التطبيق الدموي يكشف تماماً عمق النظرية.
فلهؤلاء جميعاً، تذكير بسيط من وحي أغنية الشهيد ابراهيم القاشوش، بلبل الثورة: سوريا بدها حرية، لم تعد لا لسوريا ولا للبنان من طاقة لا لممانعة "بعثية سورية" أو "بعثية عراقية" أو "تشافيزية عربية"، كما لم يعد مجال لإنقاذ "نظرية الممانعة" بعد أن فعلت فعلها إلى جانب "أنظمة الممانعة": القطيعة التاريخية ضرورية مع كل نوع من أنواع الممانعة