قد يكون نائب رئيس مجلس النواب السابق ايلي الفرزلي اكثر السياسيين المسيحيين حظاً في عهد الوصاية السورية، ليس لحنكته السياسية ولا لبراعته في تقليب الأمور وايصال الرسائل "الدمشقية" الى الزعماء اللبنانيين على اختلافهم، بل لأنه ولحسن حظه مولود في جب جنين، تلك القرية القريبة من الحدود السورية. هو مسيحي من الأطراف. جغرافياً أمنت له "ثقة" سورية قائمة على ولاء تقليدي من الفرزلي ابن البقاع للقيادة السورية، تحت شعار تحالف الأقليات.
من المعروف عن إيلي الفرزلي قدرته على الانسجام مع كل جديد، وكأنه ينساب في هذا الجديد، إلى درجة يشعر معه المرء انه منذ نعومة أظافره، ولد لينظر للحكمة "المخابراتية" السورية، بعد ان كان في ثمانينات القرن الماضي احد المرحّبين بجنود الاحتلال الاسرائيلي في البقاع الغربي. صورته مع الجنود الإسرائيليين حاضرة دائماً في ذاكرة اللبنانيين عموماً، والبقاعيين تحديداً.
ليس هذا موضوع البحث. نائب رئيس مجلس النواب السابق، ادرك قبل غيره أن لا سبيل للوصول إلى مركز في لبنان لا من خلال التحالف "المستميت" والأعمى مع النظام السوري.
هذا التحالف، يعني بما لا يقبل الشك ان يرتضي الانسان لنفسه "الرضوخ" لكل ما تمليه عليه عنجر. خصوصاً أن هذه المدينة لا تبعد كثيراً عن مسقط رأس الفرزلي. لقد اعتقد ان التوأمة بين جب جنين وعنجر لا بد حاصلة. تصرف على هذا الأساس، فأصبح رقماً صعباً في المعادلة السورية في لبنان وليس العكس.
أطرف ما في "دولة الرئيس" انه يعتبر نفسه محبّاً للجميع، ويقف مع الجميع ضد الجميع. معادلات لا يفهمها سواه. يقول إنه كان ضد التمديد للرئيس السابق إميل لحود، ومن ثم يقول إنه يلتزم بما تقوله دمشق. يتحدث عن تحذيرات أطلقها واوصلها إلى الرئيس السوري مباشرة عن "مخاطر التمديد"، ثم يعود ليقول بحكمة بشار الأسد وقيادته الحكيمة، وأنه الوحيد الذي يعرف مصلحة لبنان. ليس في لبنان من يعرف مصلحة الوطن، وحده الأسد من يفعل!
في العام 2000، ذهب إيلي الفرزلي الى بتغرين، جلس مع النائب وليد جنبلاط والرئيس أمين الجميل والشهيد جورج حاوي ليبلوروا معارضة جدية لإميل لحود، حين بدأ الحديث عن معارضة "السوري" الذي يحارب الى جانب لحود، تحفظ الفرزلي، انطلق من هذا التحفظ من خلفية ولأنه وعرفانه لما منّ عليه السوريون. كيف لا وهو "دولة الرئيس" على جناح الالتزام بالممانعة قولاً وفعلاً.
في خلفية العداء الذي اظهره ايلي الفرزلي لإميل لحود عنوان واحد، يتمحور حول معاداته لشخص ميشال المر. كان يُدرك تماماً ان المر إن قُيّض له ان "يسرح ويمرح" سيقضي تماماً عليه. المخابرات السورية آنذاك، كانت بحاجة إلى دعم مسيحيي الوسط وليس الأطراف. من هنا ظهرت بوادر معارضة الفرزلي التي لم يكتب لها ان تستمر، حين تجرأ من حضر اجتماع بتغرين على الحديث عن رفض السياسات السورية. انسحب الفرزلي، بسلاسته المعتادة.
بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري خرج الفرزلي عن صمته على الرغم من كونه قال إنه حذّر من التمديد ليقول إن عملية "استشهادية كانت وراء اغتيال رئيس الحكومة الأسبق، فما هذا الاستشهادي الذي يقتل رفيق الحريري؟ وكيف يكون مفهوم الاستشهاد بنظر الفرزلي؟ وهل تكون معارضة لحود (إن صدقت) في الخانة نفسها مع تأكيد فرضية "ملك السباحة" بأن أبو عدس هو من قام بتفجير نفسه في "السان جورج"؟
هذا هو ايلي الفرزلي، شخصية لا تعرف سوى "محاولة" الاستمرار. تدوس الواقع لتبقى في ذلك المنصب الذي حُجز لها، نتيجة كفاءة أو نتيجة "علاقة" كان غازي كنعان المدافع الأول والأخير عنها، إن لم يكن المستفيد الأول والأخير منها.