عبثا تحاول دمشق أن تبدو شفّافة فلا يشكّك فيها أحد ولا يجادلها أحد، وعبثا تحاول أن تكون صادقة فلا يطعن أحدٌ في قولٍ لها ولا ينفر أحدٌ من قولٍ عنها، وعبثا تحاول أن تكون مُقنِعة فلا تحتاج هنا إلى أصابع توما ولا هناك إلى مجالس فصل وبَتّ وتمحيص.
عبثا تحاول دمشق أن تبدو بريئة في بيروت ومغبونة في الرياض ومطعونة في واشنطن ومغدورة في باريس، وعبثا تحاول أن تحوّل بنادق السلطة إلى شلوح زنبق، ودبّابات السلطة إلى مواكب ياسمين، وقذائف السلطة إلى دعاءات وترانيم، وعبثا تحاول أن تحوّل دماء الناس في حماة وإدلب ودير الزور إلى ينابيع وخمور، أو أن تحوّل جُثث الأطفال إلى دُمىً لمن لا سلوى له أو أرجوحة لمن لا مَدى له أو كتابا لمن يقرأ في كتاب لم يُكتب في دمشق أو يؤمّ مدرسة لم تُفتح في دمشق.
نحن حاولنا أن نصدّق أنّنا شعبٌ واحدٌ في دولتين، وحاولنا أن نصدّق أنّنا نتبع ذات المسار وذات المصير، وحاولنا أن نصدّق أنّ الأمن هنا ينبع من الأمن هناك، وأنّ الكرامة هنا تُستمّد من الكرامة هناك، وحاولنا أن نصدّق أنّ دمشق أقوى من بيروت وأكثر مِنعة وصلابة وأكثر صبراً وصموداً وأكثر أمناً وحصانة.
نعم نحن حاولنا أن نصدّق أنّنا شعب واحد في دولتين، فلا انتفضوا يوم أحرقتنا نارُ الغريب ونارُ القريب، ولا انتفضنا يوم أحرقتهم نارُ الممانعة ونارُ العروبة، فكنّا في الحزّات شعبين وفي النوائب شعبين وفي المآتم شعبين…
وحاولنا أن نصدّق أنّنا نتبع ذات المصير وذات المسار، فلا حاربوا يوم حاربنا ولا سالمنا يوم سالموا، ولا عدلوا يوم حوكمنا ولا ترفّقوا يوم حوربنا، ولا تقاسمنا القوّة يوم ضعفنا ولا القوت يوم حوصرنا، فكنّا في المسار شعبين خلف ظلم واحد وكنا في المصير شعبين خلف ظالم واحد.
وحاولنا أن نصدّق أنّنا "عُملاء" لا نوالي حاكم دمشق، وأنّنا "غُرباء" لا نوالي عرب دمشق، وحاولنا أن نصدّق أنّنا كنّا على خطأ يوم رفضنا الوحدة، وأنّنا كنّا على ضلال يوم رفضنا الوصاية… وحاولنا أن نصدّق أنّ الخنوع أذكى سلاح وأنّ الحرّية أخطر سلاح…
اليوم نصدّق أنّ أمن سوريا لم يكن من أمن لبنان بل من قبضة النظام، وأنّ سلام سوريا لم يكن من سلام لبنان بل من بطش النظام، واليوم نصدّق أنّ شعب سوريا لم يكن هانئا بل خائفا، وأنّ النظام لم يكن قويّا بل الشعب كان ضعيفا…
عبثا تحاول دمشق أن تبدو شفّافة في عين هذا وصادقة في عين ذاك… وعبثا تشكو إن لم يصدّقها أحد وهي "صادقة" أو لم ينصفها أحد وهي "مظلومة"، وعبثا نحاول أن نجد لها طريقا إلى غير المحاكم وأقفاص الاتّهام، فنحن نعرف وهي تعرف أنّها تعاني كثيرا من فرط ما كذِبَتْ كثيراً، كما عانينا نحن من فرط ما… صدّقنا كثيراً…