الحرب السياسية والإعلامية التي تُشنّ على الرئيس سعد الحريري، في شقها الشخصي أو السياسي أو الوطني تُعيد التذكير بفصول من حرب الإلغاء التي سبق أن شنّها نظام الوصاية على الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على مدى سنوات، وصولاً إلى جريمة اغتياله الارهابية في 14 شباط 2005. ولأن التاريخ يُعيد نفسه، يتولى وَرَثة سلطة الوصاية هذه الأيام إكمال هذه الحرب ضدّ الزعامة الحريرية بما تمثّله من موقع إسلامي ووطني وعربي. هذه الحرب لم تكن يوماً على نسقٍ واحد، فغالباً ما تمظهرت بأشكال وسياقات متعددة، كان منها العمل بدأَب على زرع القلاقل داخل الشارع السنّي، تارة من خلال استيلاد توليفات سياسية أو تجمّعات بعناوين دينية أو شخصيات يجري توزيرها أو إلحاقها بلوائح انتخابية ضماناً لدخولها البرلمان. كل ذلك بقاسم مشترك أوحد هو إرباك الرئيس الحريري في شارعه عبر إظهاره كمن لا يمتلك شرعية تمثيل هذا الشارع. إلى ذلك، وبالتوازي معه، بدا مبكراً وعي سلطة الوصاية أهمية العبث بملف لا يقلّ خطورة عما سبق، ألا وهو ملف الأصولية الذي استخدم كـ "فزّاعة" للابتزاز والتخويف والمقايضات، للحريري الأب، من جهة، وللقوى المسيحية (التي غالباً ما جرى ابتزازها أيضاً بدعوى العَمالة) من جهة ثانية، وللمملكة العربية السعودية من جهة ثالثة.
العبث بملف الأصولية، لم ينقطع أبداً، من تسعينيات القرن الماضي وصولاً إلى العام 2005، ثم ما تلاها من سنوات مخضبة بالدم. يتغيّر الزمان من دون أن تتغير العناوين والغايات والأهداف. كل ضجيج الصخب السياسي، ومحاولات الانقلاب على مفاهيم الدولة والمؤسسات والأمن والقضاء، أوحى بأن ثمة من يخطّط لضرب الطائفة السنية من خلال استنزافها في المماحكات أو الكيديات السياسية أو تصويرها في موقع الفساد أو التطرّف أو الارتهان. بُعيد جريمة 14 شباط 2005، ألم يكن مستغرباً اللجوء إلى فبركة بالية تسعى الى حرف الأنظار عن أبعاد واضحة في الجريمة وصرفها باتجاهات أخرى، من يذكر "فيلم أبو عدس" من إنتاج شركة المقاولة بالإرهاب وفيه؟
ثمة إحساس يضاهي القناعة رسوخاً لدى أهل السنّة في لبنان، أي عند النخبة التي تعكس مزاج هذه الطائفة، بالاستهداف والابتزاز والاستنزاف، جرّاء ما نالهم، ولا يزالون يتعرّضون له، من اغتيالات واستهدافات واعتقالات وتوقيفات تبدأ ولا تنتهي. وفي أحاديث هؤلاء قناعة موازية بأن الارباكات المتتالية في ساحتهم انما هي بأفق دفعهم الى التخلّي عن دورهم التاريخي في حفظ التوازن الوطني وصون الصيغة اللبنانية وعيشها الواحد، عبر تصويرهم طرفاً داخلياً يسعى الى التسلّح رداً على الاستفزاز المسلّح، والى الحماية الذاتية رداً على فوضى الميليشيات، أو إلى تبنّي خطاب القطيعة والتطرّف رداً على الأصوليات الثورية الشمولية.
"مايسترو" الاستهداف واحد
في تقدير هؤلاء أن هذه الحملة، التي توّجت بـ"التجرؤ" على رئاسة مجلس الوزراء، مقاماً ودوراً، ولم توّفر الرئيس سعد الحريري، ومن قبله الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كما لم توفّر المقامات الدينية وصولاً إلى قيادات سياسية وأمنية وقضائية وإدارية عليا، وتتولاها جوقة متعددة الوجوه والوظائف والمواقع يجمع بينها أنها تترجم رغبة "مايسترو" واحد، إذن، ليست بريئة وغير منفصلة عن جملة أمور تتّصل بالسياق السياسي الراهن في لبنان وباستحقاقات مقبلة. وقد عهد "المايسترو" إلى "أدواته" بتنفيذها، تارة بالتطاول والتهجّم، وحيناً بالتخوين والتحريض، وحيناً آخر بالتهديد والتشهير، أو الاستهداف والاتهام. وفي التقدير أيضاً أنها تهدف الى أحد أمرين:
أولاً، دفع أهل السنّة الى "التَمَليُش" بديلاً من الدولة وإخراج الطائفة من موقعها المركزي، والطبيعي، في معركة الاستقلال ودورها كضمانة للتوازن الوطني ورعاية الصالح العام.
ثانياً، التحريض على الزعامة السنية الوطنية التي أفرزتها انتخابات العامين 2005 و2009 وتوّجتها بشرعية استثنائية، والمتمثلة بالرئيس سعد الحريري "حتى إشعار آخر" (وفق ما تتمخض عنه صناديق الاقتراع)، بما هو حامل المسؤولية التاريخية للسُنة ومشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري القائم على بناء الدولة الحديثة ورعاية الاعتدال ونبذ التسلّح والتطرّف.
في التقدير أن الحملة المركّزة التي تستهدف موقع ودور الطائفة السنية وزعامتها، إنما تتذرع دعاوى باطلة أو واهية، لتحجب حقيقة أهدافها الحقيقية المتصلة بمساعي التعطيل أو التشويه، ومن ورائه الانتقام من مرجعية الحريري الوطنية والاسلامية، دون إغفال تزامن هذه الحملة مع صدور "جزء" من القرار الاتهامي عن المدعي العام للمحكمة الدولية.
استثمار الفتنة وسياسة الابتزاز
لكن في تقدير آخر، فإن حركة "المشروع الانقلابي الممانع" إلى ارتيابه من القيادات الاستقلالية النزعة وسعيه الى إجهاضها وتقويض حركتها، كان يواجه "أزمة" تتجلى في الوضع السني تحديداً، وبتحديد أكثر اصطدامه بزعامة رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري الإسلامية والوطنية. إذ لطالما اعتمد المشروع المذكور على ثنائية شيعة – مارونية تتمثّل بتحالف "حزب الله" – ميشال عون، غير أن هذا التحالف، وإن كان قادراً على "التعطيل" بكل وجوهه، يبقى قاصراً عن إنجاز أي مشروع سياسي بديل "كامل" من دون جناح سنّي يدور في فلكه. وبالتالي فإن أكبر عوائق استكمال المشروع هو إطلالة الحريري من موقعه كزعيم للسنة في لبنان على الإطار الوطني اللبناني الواسع، والعربي الأوسع. وهو ما يفسر أموراً عدّة شابت عمل ما كان يعرف بـ "حكومة الوفاق الوطني" التي ترأسها الحريري وما تلاها من أحداث بعد استقالتها بالشكل والصيغة المعروفة.
في هذا المقام، يمكن استحضار فصول من "تاريخ طويل" لحرب نظام الوصاية، بشقّيه ما قبل 2005 وما بعدها، على مرجعية "الحريرية"، ودائماً على خلفية نزعتها الاستقلالية، فهذا النظام لطالما مارس مع الرئيس الشهيد دوراً تعطيليا لمنع استكمال تطبيق اتفاق الطائف، أو تطبيقه انتقائياً بما عطّل مسيرة الدولة، وأعاق تنفيذ رؤيته لبناء الدولة وتفعيل المؤسسات وتدعيم الحريات والعمل الديموقراطي، مروراً بالتمديد لاميل لحود في رئاسة الجمهورية (2004)، وصولاً الى جريمة 14 شباط 2005. ولا تزال الحرب قائمة بعناوين جديدة – قديمة.
حَملة السواطير
ثمة صورة ارتبطت بذهن اللبنانيين عموما والمسلمين خصوصا، وهي مشهد "تظاهرة السواطير" في 11/4/2001، يوم احتشد اتباع "جمعية المشاريع" (الأحباش) يرافقهم عدد كبير من العمال السوريين، أمام عدد من مساجد ومراكز الجمعية، في مشهد كاريكاتوري مستهجن، حاملين الفؤوس والسلاسل المعدنية والخناجر، يعترضون بحراسة أمنية رسمية على اعتصامات طلابية لمناسبة ذكرى اندلاع الحرب الأهلية والتنديد بسلطة الوصاية، ويندّدون (يا لمفارقات الزمان) بمن وصفوهم "العملاء والقوات والعونيين"!!
يومها عقد نائب رئيس الجمعية النائب السابق عدنان طرابلسي مؤتمرا صحافيا أعلن فيه ان الجمعية "لن تسكت بعد اليوم عمّن تسوّل له نفسه العبث بأمن الوطن وانتمائه العربي، وكل من يسعى للعودة الى الارتباط بالمخطط الصهيوني الحاقد على لبنان"!
على أن ما أعقب ذلك التاريخ من وقائع كشف عن الاستراتيجية التي كانت تعتمدها سلطة الوصاية من خلال الجهاز الأمني المشترك الذي كان يحكم لبنان، في التعاطي (مع هذه الأدوات وغيرها) مع بدايات التغيير السياسي الذي أطلقه بيان المطارنة الموارنة الشهير في أيلول 2000. فجلّ ما كان يحدث كان يجري على ايقاع حركة المعارضة المنطلقة من رحم بيان المطارنة، كتأسيس "خلية حمد" في اعقاب تأسيس "لقاء قرنة شهوان" وانشاء "اللقاء التشاوري" في اعقاب تبلور "لقاء البريستول" وصولاً إلى إنشاء ما سمّي "اللقاء الوطني الإسلامي" الذي عُرف بـ(خلية حمد) ويضم شخصيات سياسية ودينية واجتماعية من صنع جهاز الوصاية السوري. كل هذه التوليفات ما عرف لها اللبنانيون دوراً سوى الهتاف بالتأييد لإميل لحود "رمز الوحدة الوطنية ضدّ العملاء"، وكيل الثناء لبشار الأسد "رمز الوحدة العربية".
إلى ذلك، كان ثمة ملف حساس جداً لطالما استخدم بوجوه مختلفة، وهو ما يُعرف بملف "الموقوفين الإسلاميين"؛ الذي راوح على مدى سنوات طويلة لم تنته حتى الآن، بين حدّين: توقيفاتٌ بالجملة، تبدأ في معظمها، مخالفةً لقانون أصول المحاكمات الجزائية وتقف عند جلسات محاكمة لا تنتهي.. وأسرٌ وعائلات تصرّ على براءة أبنائها وقد نفد صبرها من انتظار أحكام تؤكد هذه البراءة أو تنفيها، وقد آل حالها بفعل غياب المعيل وتوالي السنين الى مآسٍ اجتماعية وإنسانية.
وما بين حدّ الشفرة وحدّ السكين بقي لهذا الملف مع التوظيف السياسي والتضليل الدعائي حكاية بدأت أيام الوصاية السورية ولم تنهها دولة الاستقلال الثاني، في بلدٍ يشهد تبايناً واضحاً في مفهوم حمل السلاح وأدواره ووظائفه، كما في معاني ودلالات المحافظة على السلم الأهلي وصون الاستقرار، فما يُعتبر بحق أناس إرهاباً مُداناً قد يكون بحق آخرين وفي ظروف معينة، مطالبة مشروعة بالشراكة لا تستوجب توقيفاً أو تحقيقاً أو محاكمة!
قصة "المقاولة" بالأصولية
في حديث له في شهر أيلول 2008، حدّد الرئيس السوري بشار الأسد سبب عدم الاستقرار في شمال لبنان، وتحديداً في مدينة طرابلس، بأنه يعود الى ما سمّاه التطرّف السلفي "الذي تدعمه دول". دعا الى القضاء عليه وإلا فسيبقى الوضع في البلاد "هشاً". هذه هي خلاصات الموقف السوري من الشأن اللبناني خلال القمة السورية – الفرنسية التي عقدت في 4 أيلول 2008 في دمشق والقمة الرباعية التي تلتها وجمعت الى سوريا وفرنسا تركيا وقطر.
إذاً، في دخول غير جديد على الوضع في لبنان من بوابة "فزّاعة" الأصولية الإسلامية التي برع النظام السوري في استخدامها تكراراً، حمّل النظام السوري مسؤولية الاضطراب الأمني للقوى السلفية ودعا الجيش اللبناني الى ضربه مع ما يحمله هذا الطرح من احتمالات كارثية على الوضع في الشمال خصوصاً ولبنان عموماً.
تاريخٌ يُعيد نفسه
في الأساس كانت المخابرات السورية من أولى – إن لم تكن أولى – الجهات التي تنبّهت لظاهرة القلق الشبابي السنّي الكامن في عاصمة ومناطق وقرى شمال لبنان في تسعينيات القرن الماضي، فحاولت توظيفه والإفادة منه في "مقاولاتها" مع المجتمعين العربي والدولي، الى جانب استخدامه في تناقضات الشأن اللبناني الداخلي.
لكن وقبل ذلك بسنوات، أي في أواسط الثمانينيات كان الرئيس الراحل حافظ الأسد قد عمد الى توجيه ضربة مزدوجة للإسلام السياسي السني، بما فيه السياسيون المدنيون أيضاً، على خطين متوازيين في كل من طرابلس وبيروت. في الأولى عمد الى تصفية حركة "التوحيد الإسلامي" بزعامة الراحل الشيخ سعيد شعبان التي كانت مسيطرة على المدينة التي حوّلتها "إمارة إسلامية". أما في الثانية فعبر الاستيلاء على العاصمة ودخولها عسكرياً وإذلالها بحجة القضاء على اتفاق 17 أيار!
لاحقاً، طوّر الرئيس الأسد الأب عملية الإلغاء وضرب العاصمة، فبالتوازي مع سحق مدينة طرابلس، جرت حرب المخيمات في بيروت، وانتهى المشهد المأسوي في طرابلس بالاستيلاء على المدينة والتنكيل بالمئات من شبابها قتلاً واعتقالاً وإخفاء، أما الراحل الشيخ شعبان فجرى التغاضي عنه بوساطة إيرانية لدى الرئيس السوري. أما في بيروت وبعد دخول القوات السورية الى المدينة بحجة "ضبط الفوضى" فقد استحال الأمر الى جريمة قتل المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد وإرغام كبار السياسيين السُنة المدنيين على الذهاب الى المنفى الاختياري.
لاحقاً، وتحت ضغوط النزاع الداخلي اللبناني، والنزاع السوري – الفلسطيني انتشرت هيئات وجمعيات وتجمّعات سنية بعضها بدا معنياً، حصراً، بمسائل الإيمان والكفر وطرائق إصلاح الحياة، أما بعضها الآخر فتفتّح سياسياً ليس على أساس القاعدة التقليدية، قضية فلسطين، بل على الانشداد الى الصراع في أفغانستان وفوز الإسلاميين في جهادهم ضد القوات السوفياتية ثم بالانشداد الى النزاعات في البوسنة والهرسك في يوغوسلافيا أو الشيشان. انشدادٌ تردّد صداه في شمال لبنان مرة أخرى عبر ما عُرف باسم "مجموعة البلمند" التي كانت تحضّر لأعمال عنف وتفجيرات على خلفية الأحداث في يوغوسلافيا.
في التسعينيات، وعلى قاعدة مناكفة مؤسسة دار الفتوى، كان السوريون قد استتبعوا جماعة "الأحباش" الذين ظلّوا حتى خروج القوات السورية من لبنان في العام 2005 من أكبر المستفيدين (سنياً) من الوجود السوري. لكن بعد منتصف التسعينيات وبعد اغتيال رئيس جمعية "المشاريع الخيرية الإسلامية" الإطار الرسمي للأحباش الشيخ نزار الحلبي على أيدي مجموعة سلفية، بدأ السوريون الإفادة من التخثّر الناجم عن ظهور مجموعات إسلامية سنّية متشددة؛ بين من يريد الحياة والنمط الإسلامي وحسب، ومن يريد الجهاد لتحرير المسلمين في العالم، حتى ولو بدماء الداخل الاجتماعي. وبدا في هذا الوقت الدور المزدوج الذي تلعبه بعض المخيمات الفلسطينية كملجأ للمجموعات الأصولية والمتشددة ومن بين هؤلاء قتلة القضاة الأربعة في مدينة صيدا.
وعشية العام 2000 انفجر اشتباك آخر في جرود منطقة الضنية في شمال لبنان، تورّط فيه عدد من الشبان، أثبتت الوقائع أن لا علاقة لهم بتنظم "القاعدة" بل هم جيل آخر من الشباب القلق الذي لم يهتم أحد باستيعابه وتبديد هواجسه وإزالة الحاجز النفسي بينه وبين دفء المواطنية ومشروع الدولة، فأمكن لأجهزة استخباراتية اختراقهم بسهولة وتوجيههم نحو ما جرى وكان.
وسط هذه الأجواء ظهرت في المخيمات الفلسطينية "عصبة الأنصار" وتوابعها مما هو حقيقي أو وهمي، وكلها مجموعات لجأت بضغط من الملاحقات الأمنية أو بعد عمليات عنف الى مخيم عين الحلوة وهناك – كما في بعض المخيمات الأخرى – حظيت برعاية سورية مباشرة أو برعاية الفصائل الموالية لدمشق.
4 وظائف قديمة ـ جديدة
لماذا اهتم السوريون برعاية هؤلاء؟
بعد أحداث 11 أيلول 2001 وقبل احتلال العراق في العام 2003، كان لهذه التنظيمات المسلحة وللسوريين منها أربع وظائف: الضغط على المملكة العربية السعودية في أمنها الداخلي واستقرارها وصورتها أمام العالم، وثانياً ابتزاز الرئيس الشهيد رفيق الحريري في اعتداله ووسطيته وزعامته الوطنية والعربية والإسلامية، وإحداث توازن مع التنظيمات الفلسطينية الرئيسة – أي الموازنة بين الحركات الفلسطينية ذات الخطاب الإسلامي والأخرى ذات الخطاب الوطني والقومي للإفادة من صعود الأولى المتسارع ـ، ثالثاً، ورابعاً إيجاد نظير سني لـ"حزب الله" الشيعي في قتال إسرائيل.
لكن هذه الصورة انقلبت بعد العام 2003، أي بعد دخول القوات الأميركية الى العراق؛ فالنظام السوري راح يستقبل ويقدم تسهيلات لمئات الشبان السُنة في سوريا ولبنان ودول الخليج وشمال افريقيا والمغرب العربي لدخول أراضيه تمهيداً للانتقال الى العراق بهدف "الجهاد" ضد قوات الاحتلال. كل ذلك تحت سمع الأجهزة الأمنية السورية وبصرها، وهكذا قاتل هؤلاء القوات الأميركية حتى العام 2006، فيما تشرّب بعضهم في العراق أفكار أبي مصعب الزرقاوي وحروبه المذهبية. لكن عندما اشتدت الشكوى من التصرف السوري، وازاد الضغط من جانب الأميركيين والدول العربية والعراق، انصرفت الأجهزة السورية لتنظّم من تبقّى من شباب مقاتل عندها في أطر وتوليفات منها "فتح الإسلام" و"جند الشام"، في حين جرى بيع آخرين للدول التي جاءوا منها في سياق مقاولة هذا النظام بالملف الأصولي أيضاً وأيضاً.
بعد حرب تموز 2006، بدا أن السوريين ما عادوا وحدهم يريدون اللعب في الجو السنّي، السياسي والديني، فدخل الى هذا الجو – وبقوة – الإيرانيون ومعهم "حزب الله" فظهرت توليفات سنية بتمويل إيراني و"حزب اللهي" عملوا من خلالها على اختراق الساحة السُنية، ففيما انقسمت "حركة التوحيد" جناحين ظهرت "جبهة العمل الإسلامي" الى عدد من الشخصيات الإسلامية الدائرة في الفلك عينه، ثم ما لبثت أن اندلعت حرب "نهر البارد" إثر اعتداء "فتح الإسلام" على الجيش اللبناني. وكان اللافت هو ذلك الانزعاج من إصرار الجيش – بدعم سياسي من قوى الأكثرية وغطاء شعبي إسلامي أمّنه "تيار المستقبل" في الشمال تحديداً – على مواجهة فتنة شاكر العبسي ومن ورائه سوريا، متناغماً مع اعتبار الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله المخيم "خطاً أحمر".. وإن لم يحل ذلك دون حسم الموقف لمصلحة الشرعية والدولة لكن مع ثمن باهظ من دماء الأبرياء المدنيين والعسكريين.
وما كادت "فتنة العبسي" تخبو حتى أدخل حلفاء سوريا لبنان في دوامة من العنف الدراماتيكي الذي تلبّس تارة شعار السياسة فيما تمظهر تارة أخرى بصبغة مذهبية جليّة، وكانت أحداث 25 و27 كانون الثاني 2007، قبل أن يُرمى البلد في فتنة 7 أيار 2008 التي ضربت بواسطة مسلّحي "حزب الله" ودائرين في فلكه، بيروت والبقاع قبل أن تحط رحالها في طرابلس، بين باب التبانة وجبل محسن عنفاً وإرهاباً خلّف عشرات الضحايا ومئات الجرحى ومثلها بيوتاً محروقة وعائلات منكوبة.
وقبل هذا وبعده سجّلت محاولة اختراق أخرى، تمثّلت بورقة تفاهم هشّة بين "حزب الله" وجمعية سلفية، كان مداها أن عاشت أقل من أربع وعشرين ساعة قبل أن تنتقل الى رحمته تعالى، لكن أفق الاختراق لا يزال قائماً على قاعدة الوظائف الأربع الآنفة الذكر، ومنها ضرب علاقة السُنة بالدولة والتشويش على زعامتهم الوطنية والسياسية.
هو التاريخ يعيد نفسه، اذن، ذهنية الوصاية ما أحدثت قطيعة بين سياساتها قبل 2005 أو بعدها: السيطرة أو هزّ الاستقرار، الوصاية أو الترهيب، التسليم بالإمرة أو إثارة الاضطرابات. سواء أتى ذلك من باب الابتزاز بملفات مركّبة أو قلق له أسبابه، أم عبر القهر والإرغام بقوة السلاح، أم عبر إبتكار هياكل وشخصيات سياسية تلعب دور "حصان طروادة".
وتأسيساً عليه أيضاً، أن يقال إن ثمة استنفاراً سنياًً متوتراً، سياسياً ودينياً وشعبياً ضدّ هذه الحملة فذلك ليس اكتشافاً. هو لتسجيل واقع وحقيقة. فما يحصل استدراج لفتنة هي ليست احتمالاً بل حصلت بالفعل والبلد بات في قلب تداعياتها وباتت مفتوحة على كل احتمال. ولا يكفي هنا، أن يقول "حزب الله" أن لا فتنة حاصلة، كي يكون قولُه صحيحاً. ولا يستطيع ان يقرّر هذا الطرف، مهما تمتّع بفائض قوة، ما يشاء وأن يفعل ما يشاء وألا يتوقع نتائج لكل ذلك، في وقت لم يتجاوز المزاج السني بعد خطيئة استخدام السلاح واستهداف السنّة في بيروت والشمال والبقاع في أيار 2008.
في الخلاصة، إن الحرب التي تجرّد ضد الزعامة السنية، تُشعر الجمهور السني في لبنان بأن هذه الحملات إنما تستهدفهم في وجودهم ودورهم وكرامتهم، وأن التعالي الذي تمارسه قيادتهم، كجزء من ثقافتها الدولتية أو إرثها الميثاقي، أي تمثيل الشأن العام بما هو استيعاب للآخرين وتجاوز الاساءات، بات عبئاً ثقيلاً عليها. لكن ذلك لا يلغي من أهمية التأكيد أن التأزم السياسي والتوتير الأمني وغياب المعالجات وفقدان الأفق، تبقى تحديات مصيرية ولا يمكن الصبر عليها، واستنزاف الوقت والطاقات والأرواح والامكانات في غير المكان المناسب في مكابدتها لأنها غالباً ما تنتهي إما بكوارث، للمسلمين السنّة، أو بحلول مؤقتة على حسابهم أيضاً فيما أصل المشكلة يظل جاهزاً للانفجار.