أذكر عمي بشدّة هذه الايام. هو ما زال حيا، لكنه يوصف بالمتعصّب، ويقول اقاربي اني اشبهه بهذه الناحية. عمي ليس متعصّبا وحسب، انما اصولي بلبنانيته وأنا معه. عمي مصاب بالسكّري، وكلما رأى ميشال عون أو حسن نصرالله على الشاشات، يقفل معدل السكري عند أعلى أعلى المستويات، ويبدأ بسيل الشتائم واللعنات، ليس على "الشابّين" المذكورين، انما على الشاشات التي تنقل أخبارهما.
قبل جلاء الجيش السوري عن لبنان، كنت أمزمز وعمي دائما قهوة الصباح، ونحكي على العالم. هي متعة بحد ذاتها وان نكرها الجميع، لكن بيبقى الحكي بيناتنا دائما. كان السوريون يبدّعون في لبنان. ينتهكون، يصادرون، يقتلون، يخطفون، يبتلعون الخيرات والبشر… والى ما هنالك. كنت وعمي نسرح في الخيال الى أبعد أبعد الحدود، أي الى ما بعد بعد الشام. كان يقول: "معقول يجي يوم ونشوف دخان الحرايق من سوريا واصل ع لبنان ونحنا عم نتفرّج؟"، ونضحك. نستغرق في الضحك لحلم كنا نعتبره من سابع سابع المستحيلات. كان الجيش السوري والشعب والنظام بالنسبة الينا، في خندق واحد، يريدون ابتلاع لبنان، خصوصا ان ذاك الشعب، لم يرسل لنا يوما أي اشارة، تعبّر عن رفضه لما يمارسه نظامه بحق لبنان.
كل هذه الدردشة لنصل الى مشهدية ساحة الشهداء. العلم السوري مرفوع على تمثال الحرية في قلب بيروت!! سوريالية. عمي لم يكن هناك ليرى المشهد شخصيا كما أنا فعلت بطبيعة مهنتي كصحافية، لكنه علّق وهو يسمع ما قيل على التلفزيون بكلمات مقتضبة، وهو يهز رأسه "يا لطيف شو هالدني القلّابة".
لم يكن مشهد العلم السوري، وهو يرفرف فوق تمثال الشهداء، بالمشهد المألوف المحبب. أعترف. هي النقزة بين الشعبين التي حفرها قهر الثلاثين عاما من الاحتلال. نحن أهل الارض نعتبر هذا التمثال رمز كرامتنا، نحن تعلّقنا به أيام ثورة الارز، ومنه انطلقنا لننشد الحرية ونطرد المحتل. اليوم، سوريون تعمشقوا به، ليطردوا من احتل حريتهم وصادرها لاربعين عاما متواصلة، ونحن الان ندعمهم وننظّم من أجلهم المسيرات والاعتصامات والندوات، ونتعرّض من قبل بعض مواطنيهم وملحقاتهم في لبنان، للاعتداء بالعصي والسكاكين، ما يعني اننا نناضل أيضا من اجل قضيتهم المحقّة، وأكثر من ذلك، نمنحهم مساحة التمثال ليتعلّقوا بعنقه، كمن يتعلّق بخشبة خلاص تنجده من الغرق المحتّم!
مفارقة غريبة عجيبة تركيبة هذه المدينة، بيروت. من هنا استوحى العرب الحرية، شعارا غاب دهورا عن شوارعهم. من هنا حُكي عن ربيعهم وخريفهم وافولهم وقيامتهم، ساحاتنا هي ساحات العرب عندما تضيق بهم المسافات والحريات في أوطانهم.
مفارقة ثانية. عمي "تعاطف" مع الحدث، وأعلن تضامنه مع الشعب السوري أيضا، وما عاد يريد أن يرى دخان الحرائق في شوارع الشقيقة، "حرام الشعب شو ذنبو"، يقول. ولكن عمي ما زال متعصّبا لقوميته اللبنانية، لا يستاء ان اعتصم من اعتصم في ساحة الشهداء، ويدعو الجميع للتضامن مع الشعب السوري، لكنه لا يريد أن يرى علما سوريا، أو أي علم آخر غير العلم اللبناني، يرفرف فوق تمثال الشهداء تحديدا. هذه حدوده للتضامن. وعنده أمنية أخيرة، أن يرى ثلاثي الذل، كما يطلق عليهم، يحاكمون تحت يد التمثال الممدودة. بشار الاسد ونصرالله وعون. هم من تسببوا له بمرض السكّري. كل شيء وارد. هي لعبة المفارقات والزمن الغريب العجيب…العلم السوري فوق تمثال الشهداء في قلب بيروت! من كان ليصدّق؟!!
