من يتابع مسيرة الرئيس نجيب ميقاتي يجد فيه الشاب الطموح الذي هوى الحياة السياسية وحلم بالوصول إلى البرلمان، الشاب الذي ثابر على الدراسة فحصد شهادة الدراسة العليا ودخل عالم الأعمال والاقتصاد من بابه الواسع وكان له الأيادي البيضاء في الشأن الاجتماعي، وبدأ العمل لتحقيق حلمه.
نجيب ميقاتي، الذي دخل فيما بعد عالم السياسية، عُرف بحكمته واعتداله، خصوصاً عند تعهده بعدم الترشح للانتخابات حين كان رئيساً للحكومة التي تلت حكومة كرامي، مبرراً العزوف عن الترشح للانتخابات وقتها بأن "الإنسان إنسان، وأنا لا يمكن أن أكون حيادياً وطرفاً في آن".
هذا ما كان عليه الرئيس ميقاتي، ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟
فمن حليف لـ"تيار المستقبل" في الانتخابات النيابية ملتزم بخطه السياسي وعناوينه ومردد "من أجل طرابلس وأبنائها تضامنّا وتعاونّا، ومن أجل الدفاع عن مبادئنا عقدنا العزم على السير معاً" ، إلى منافس لحليفه صاحب الأكثرية السنية على انتخابات رئاسة الحكومة وفائز بأصوات منافسيه السياسيّين بكرسي الرئاسة معتبراً نفسه "هو الأول على الساحة السنية".
ماذا حدث للرئيس ميقاتي، فمن نائب منتقد لكيفية انشاء حكومة الرئيس الحريري ومحاولة بعضهم "إدعاء بحقوق دستورية موهومة من أجل التسلط على عملية تشكيل الحكومة"، وأنه "جرى التعرض لموقع رئاسة الحكومة وصلاحيات الرئيس المكلف وإستباقه باعلان أسماء الوزراء والحقائب، في سابقة سياسية ودستورية لم يشهد لها لبنان مثيلاً منذ الإستقلال، وينبغي عدم ترسيخها"، من هذا كله إلى رئيس حكومة التزم بأسماء أُجبر بها من هنا وهناك، ولم تتشكّل الحكومة إلا بتسليمهم حقائب وزارية معرضاً موقع الحكومة إلى ما سبق وانتقده، ومعيداً أسماءً أعادت لبنان إلى حقبة الوصاية، أشخاص يمثلون أنفسهم، راسبين في الانتخابات النيابية، هدفهم الكيدية أولاً والمصلحة الشخصية والحزبية أخيراً.
ماذا حدث للرئيس ميقاتي، فمن رجل العدالة والمحكمة الدولية، رجل المبادئ والالتزامات والوسطية، إلى رجل تحقيق العدالة "مبدئيّا"، والتراجع عن الالتزامات النّيابية و التحالف الصريح في معركة سياسية بحت!
ماذا حدث للرئيس ميقاتي، فمن رجل العمل الخيري، المطالب بالحرية الانسانية والاجتماعية، إلى رجل يدافع عن نظام يرتكب المجازر بحق شعبه، إلى رجل ينأى ببلده عن التصويت "انسانيّاً" لضحايا القتل والاجرام، مبرراً موقفه هذا أنّه تابع لسياسية عدم التدخل، بل هو موقف الخائف يا دولة الرئيس! فكيف بنا أولاً أن نكون عضواً في مجلس الأمن ان لم نكن سنشارك في قرارات دولية تخصّ هذه الدولة أو تلك، وكيف بنا أن نثبت أنّنا دولة الحريات والديمقراطية والعدالة ان لم نكن نقف موقفاً انسانياً مع شعب كلّ خطأه أنّه يطالب بحريته، كيف بنا أن نكون دولة ذات سيادة إن كان ممثلونا عادوا إلى زمن الوصاية عبر التحدّث بلسان سفير دولة أخرى ووزير خارجيتها، كيف بنا أن نكون دولة تحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها إن وقفنا في وجه مصيرها، وكيف بنا أن نمد يدنا إلى هذه الشعوب بعد موقفنا هذا ان نجحت ثورتها؟!
ماذا حدث للرئيس ميقاتي، هل هذا كلّه لتحقيق الحلم؟
يا دولة الرئيس كم كانت شعبيتك عالية، وحكمتك ووسطيتك محترمة، وعدالتك وانسانيتك موقّرة، وكيف أصبحت الآن! عذراً يا دولة الرئيس، فأنت فعلاً وكما قلت بأنّ "الإنسان إنسان"، ولكنّك أخطأت فأنت يمكنك أن تكون حياديا وطرفا في آن!