مع استقالة البطريرك الماروني مار نصرالله صفير وانتخاب البطريرك مار بشارة الراعي برز توجهان داخل البيئة المسيحية حيال أسلوب عمل ومواقف البطريرك الراعي، توجه متفهم للأسباب الكامنة وراء خطواته ومواقفه، وتوجه آخر متحفظ، وهنا أبرز العناصر المكونة للتوجهين:
أولا التوجه المتفهم:
يقوم هذا التوجه على فكرة رئيسة مفادها بأن الراعي يعيد الاعتبار للمكون المسيحي بمعزل عن الانقسام العمودي القائم في البلاد منذ العام 2005 إلى اليوم بين 14 و 8 آذار، أي إعادة الملف المسيحي إلى صدارة الاهتمامات، وهذا ما برز عبر زياراته الرعوية المكثفة وغير المسبوقة إلى القرى المسيحية بغية استنهاض المسيحيين وتثبيتهم في أرضهم، كما تسليط الضوء على حراك سياسي مسيحي. وبرز أيضا في الدعوة للقاء الأقطاب في بكركي والأولويات التي وضعها على غرار بيع الأراضي وحضور المسيحيين داخل الإدارة وقانون الانتخابات.
وفي الوقت الذي لا يبدو فيه أن البطريرك يعول كثيرا على ما يمكن أن تنجزه هذه اللقاءات في ظل الفرز القائم، غير أنها تبقى أفضل، بنظره، من عدمها إن على مستوى الهدنة الإعلامية والتهدئة السياسية حتى لو تخللتها بعض "المناوشات"، أو لجهة البحث عن مساحات مشتركة قد تثمر اتفاقا على بعض الملفات، مما يسهل تسويقها لدى "المستقبل" و"حزب الله".
وإذا كان نقل بكركي من موقع لموقع مسألة غير مطروحة من قريب أو من بعيد، لأن المطروح هو تحييد بكركي في مرحلة تحولات كبرى، خصوصا أنه لا يختلف اثنان أيضا أن دور بكركي لم يعد في السنوات الأخيرة بالفعالية نفسها التي كان عليها قبل العام 2005 لجملة أسباب ليس المكان هنا لسردها، وبالتالي التغيير، أي تغيير الأسلوب فرض نفسه تلقائيا بهذا المعنى.
ويجب عدم إغفال أيضا تقصد البطريرك إعطاء إشارة (عبر احتضانه للقوى المسيحية) ولو غير مباشرة عن استحالة ولوج أي حل وطني يستثني المسيحيين، على غرار الاتفاق الرباعي والـ "سين – سين"، خصوصا في ظل الكلام عن احتمالات ما بعد سقوط النظام السوري ودخول طهران والرياض على خط الاتصالات لإبرام تسوية يقايض عبرها "حزب الله" سلاحه بمزيد من النفوذ والصلاحيات داخل السلطة، وهذا ما يستدعي جهوزية مسيحية، لأن أي تعديل دستوري سيأتي على حساب المسيحيين. والجهوزية المطلوبة بهذا المعنى التمسك بالطائف إلى أبعد الحدود، ولكن في حال قضت التسوية بالمثالثة على سبيل المثال، فعلى المسيحيين طرح البدائل التي تحفظ دورهم وحضورهم.
أما لجهة ما يؤخذ على البطريرك لناحية إبداء قلقه من الثورات العربية ومؤدياتها الهادفة إلى "تفتيت العالم العربي كي تعيش اسرائيل"، فيعتبر أصحاب التوجه المتفهم أنه تم اقتطاع الجزء الداعم من تصريح البطريرك لحركة التغيير في العالم العربي على طريقة "لا إله…"، إذ أن الراعي بدا جازما بقوله إن "الناس في حاجة الى اصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي، وهم في هذه الدول العربية يعيشون الحرمان في حياتهم ومن حقهم العيش بكرامة"، وهذا الموقف لا يحتمل التأويل، ولكن من حقه إبداء مخاوفه وإعطاء أحيانا إشارات متناقضة انطلاقا من موقعه ومسؤوليته بهدف وحيد وأوحد هو عدم تعريض حياة المسيحيين وأمنهم في البلاد التي تشهد حركات تغيير وثورات للخطر، ولا يفترض تشبيه موقفه بموقف أي مسؤول سياسي، وهو أصلا لم يسجل أي اعتراض على المواقف المؤيدة لسقوط النظام، كما يجب عدم تحميل المسيحيين في هذه البلدان أكثر من قدرتهم على الاحتمال باعتبار أنهم الحلقة الأضعف.
ثانيا التوجه المتحفظ:
مع تسليم أصحاب هذا التوجه بالتطور الذي طرأ على مواقف البطريرك من رغبته بزيارة سوريا وتأييده للحكومة وتركيزه على الملف المسيحي، إلى دعمه للمحكمة الدولية وتشديده على حصرية السلاح داخل مؤسسات الدولة، إلا أنهم يسجلون الملاحظات الآتية:
أ- إذا لم يكن مطلوبا من الراعي دعم فريق سياسي تتقاطع مواقفه مع مواقف الصرح، فإن المطلوب إبقاء الكنيسة رأس حربة الدفاع عن الدولة والجمهورية وثوابت المسيحيين الوطنية والتاريخية. وإذا كان أحد لا يشكك بتوجهات الراعي الاستقلالية والسيادية، فإنه من الثابت أن بكركي لم تعد تشكل تلك الرافعة السياسية للحركة الاستقلالية.
ب- إذا كان صحيحا أن فريق "8 آذار" فشل بنقل موقع بكركي كما يشتهي هذا الفريق، غير أن البطريرك الراعي اتخذ عن تصور وتصميم سابقين قرار تحييد بكركي بشكل أو بآخر.
ج- نقل الراعي اهمتمام المسيحيين من اهتمامات وجودية لها علاقة بالسيادة والاستقلال وحصرية السلاح داخل الدولة إلى اهتمامات وظيفية وإدارية وانتخابية تتلاءم مع ظروف عادية وطبيعية لا استثنائية كالتي يعيشها لبنان منذ تغييب الدولة بفعل توجه وقرار سوريين.
د- إذا سلمنا جدلا بوجود صراع سني – شيعي على السلطة في لبنان، فإن المشكلة الأساس تبقى في الفريق المسلح والرافض إعادة "ما للدولة إلى الدولة"، وبالتالي لا يجوز ومن الظلم وضع السنة والشيعة على قدم المساواة، لأن السنة هم مع مشروع الدولة في لبنان، بينما الثنائية الحزبية الشيعية هي مع إبقاء لبنان ساحة للنفوذين السوري والإيراني.
هـ- إصرار البطريرك الراعي على طرح "عقد اجتماعي جديد" لا يخدم مصلحة المسيحيين، لأن أي اتفاق يخضع لموازين القوى القائمة على الأرض، هذه الموازين التي تصب في مصلحة "حزب الله"، وبالتالي لا مصلحة بفتح الباب أمام أي تعديلات دستورية في هذا الظرف.
و- لا يمكن للكنيسة تحت أي ظرف أن تقف على مسافة واحدة من الشر والخير، خصوصا أنها المؤسسة الأقدم والأعرق في الدفاع عن الانسان الذي تعتبره غايتها الأولى والأخيرة، وبالتالي من غير المسموح أن تقف موقف المتفرج على ما يجري من مجازر إبادة بحق الشعوب الساعية لحريتها وديمقراطيتها وكرامتها.
ز- الكنيسة التي كانت السباقة، أي بحوالي القرن على الثورات العربية، بإدخال مخزون ثقافي وقيمي واجتماعي واقتصادي ونمط عيش حديث، كما بإسهامها الفعال في إنشاء دولة تقوم، كما تنص الفقرة "ج" من مقدمة الدستور، (…) على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع اللبنانيين من دون تمايز أو تفضيل"، على هذه الكنيسة بالذات أن تبقى السباقة في هذا السياق، وذلك عبر ملاقاتها الثورات العربية، لا انكفائها إلى داخل الطائفة المسيحية، وبمحاكاتها تطلعات 250 مليون عربي ومسلم، لا البحث عن تعزيز حضور مليون مسيحي يستحيل تعزيزه من دون رؤية وطنية – عربية تتجاوز الهم المسيحي على غرار الرؤية الوطنية التي صاغوها في عشرينات القرن الماضي والتي تجاوزت همومهم الذاتية.
لا يمكن فصل حضور المسيحيين عن دورهم، والدور هو المعبر الوحيد لهذا الحضور، ولا دور خارج الدولة المدنية التي كانوا السباقين في إرسائها، والتي عليهم أن يكونوا السباقين أيضا في نشرها وتعميمها.
لا شك أن البطريرك الراعي استطاع إخراج المسيحيين من حال الجمود التي تطبع الحياة السياسية في لبنان وإعادة الاعتبار لأولويات مسيحية غيبتها التحالفات الوطنية. فهل يسير البطريرك على خطى الزعيم الدرزي في محاولة لتحييد بيئته عن تجاذبات الصراع السني – الشيعي؟ وهل يخشى من أي اتفاق سعودي – إيراني على حساب المسيحيين؟ وهل من مصلحة المسيحيين إعادة الاعتبار للهم المسيحي على الوطني، علما أن ثمة تداخلا موضوعيا بين همومهم الذاتية والوطنية؟
شارل جبور- دائرة التحليل السياسي – المركز اللبناني للمعاومات- لبنان
