إثارة تهريب السلاح تستعيد ملف الحدود وضبطها
إسناد الرواية السورية بمخارج لبنانية
في الجلستين الاخيرتين لمجلس الوزراء، لم يتمالك وزراء قوى 8 آذار انفسهم عن المطالبة بالاقتصاص من المعارضين الاعلاميين والسياسيين للنظام السوري، في مؤشرات تظهر بدء معاناة هؤلاء ما دأبوا على إذاقة الحكومات السابقة طعمه حتى تلك التي كانوا يشاركون فيها من ضمن ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية، على قاعدة أنهم كانوا في المعارضة ويحق لهم القيام بما يحلو لهم في أحسن الاحوال، او في محاولتهم اعادة عقارب الساعة الى الوراء حين كان الوضع أسير الوصاية السورية.
الكلام على تهريب السلاح الى سوريا ليس الاول من نوعه، وكانت سرت شائعات في شأنه مع اتهام نواب من "تيار المستقبل" بمسؤوليتهم عن ذلك اثر اندلاع الانتفاضة السورية. وقد نفى الرئيس نجيب ميقاتي الذي كان في طور تأليف الحكومة وجود أي معلومات لديه في هذا الاطار. وتتكرر المعزوفة نفسها راهناً علماً ان من يتحمل مسؤولية إهدار فرصة إنجاز مراقبة فعالة للحدود بين لبنان وسوريا هو القيادة السورية التي تذرعت خلال الاعوام الماضية رداً على مطالبة الحكومات اللبنانية السابقة وعلى مطالبات دولية عدة بترسيم الحدود بينها وبين لبنان وتحديد مراقبة فعالة لها منعاً لتهريب أسلحة من سوريا الى لبنان وليس العكس بأنها ستبدأ ترسيم الحدود من شمال لبنان. وعقدت لجان عدة لهذه الغاية لم تتوصل الى نتائج حاسمة في الشمال ولا في أي منطقة أخرى. ومع التطور المفاجئ والمأسوي للاوضاع في سوريا، سرت في الاعلام السوري ولدى حلفاء النظام في لبنان شائعات عن تهريب أسلحة من لبنان الى سوريا لم تقدم أدلة عليها، على رغم ان هذه اللعبة السياسية خطيرة ويمكن ان تحمل انعكاسات مهلكة للبنان في حال التمادي فيها ولو من باب الشائعات او لأسباب هدفها التخفيف عن النظام السوري في محاولة نقل المعارك الى لبنان سياسية كانت أم غيرها. فالارباك الذي تواجهه هذه القوى أزاء ما يحصل مع النظام السوري مفهوم ومتوقع، لكن هناك تدخلا من هذه القوى أيضاً حين تدعم النظام متى كان في مواجهة الشعب او متى اصبح في المعادلة طرفان هما النظام والشعب ولم يعد يمكن أحدهما ان يختصر الآخر.
في هذه المواجهة السياسية توشك قوى 8 آذار ليس على مواجهة خصومها في المعارضة، بل على تعريض نفسها لانتقادات رأي عام إقليمي ودولي كبير، الى جانب رأي محلي قياساً الى تهاوي الرواية الرسمية السورية أمام المجتمع الدولي عن وجود "عصابات مسلحة" لا معارضة سلمية واضطرار وزير الخارجية التركي داود أوغلو الى إقناع الرئيس السوري بان معركة النظام السوري خاسرة على هذا الصعيد في غياب إعلام موضوعي قادر على نقل ما يجري فعلا. وتالياً فإن تعزيز الرواية الرسمية السورية بمخارج لبنانية يبدو واهياً بدوره للأسباب نفسها، باعتبار ان الاساس مشكوك فيه، فكيف يكون الحال مع متفرعات الرواية الرسمية السورية ما لم تكن هناك إثباتات مؤكدة وحاسمة تقدم الى القضاء، علماً ان هذه الاتهامات تعرض ميقاتي لمأزق حقيقي على أكثر من صعيد سياسي وطائفي.
ويعترض هؤلاء الوزراء في مجلس الوزراء على المواقف المنددة بقمع الشعب السوري على أساس رفض التدخل في شؤون الآخرين، على رغم ان صدى كلام الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله حول التنديد بما حصل في البحرين في مواجهة المعارضة وإبداء الاستعداد للمساعدة مما أدى الى إجراءات اتخذتها دولة البحرين في حق لبنان واللبنانيين، لا يزال يتردد في الاجواء السياسية اللبنانية والعربية. وكذلك الامر بالنسبة الى تردي العلاقات مع مصر إبان حكم الرئيس حسني مبارك على خلفية وجود خلية للحزب كانت تنقل أسلحة الى الفلسطينيين في غزة، ولم ينف الحزب هرب من سجنهم مبارك من أنصار الحزب او أعضائه إبان الانتفاضة المصرية الى لبنان. ويعتبر وزراء في 8 آذار أن سوريا هي غير البحرين، علماً ان ما يسري بالنسبة الى الاولى ينسحب على كل الدول وفقاً للدستور اللبناني. إلا ان الاحراج يبدو أقل بالنسبة الى الحكومة في الموقف من سوريا التي تعرف جيداً التركيبة اللبنانية والتوزيع السياسي، وكانت طرفاً أساسياً ومقرراً فيه، منه الى الاحراج إزاء أي دولة أخرى، والجميع يذكرون حين كانت تقف الحكومة موقف المحرج العاجز عن تبرير مواقف أفرقاء لبنانيين مشاركين فيها.
لكن ما بدأت تواجهه قوى 8 آذار لا يقتصر على هذه المواقف السياسية بل على جوانب أخرى كمشاريع القوانين التي يطالب بها بعض هذه القوى من خارج الموازنة، كمشروع قانون تحويل مبالغ ضخمة الى وزير الطاقة، ونزع أي سلطة لمجلس الوزراء في شأن هذه المبالغ، ثم قيام أصحاب هذه المشاريع بحملة على الحكومة والوزراء لعدم تلبية مطالبهم، تماماً مثلما كان يحصل مع الحكومات السابقة حين كانت تشن حملات مماثلة، مع فارق ان كل هذه الارباكات هي من داخل قوى 8 آذار والحكومة، بحيث تبدو الأخيرة تواجه نفسها قبل المعارضة.