#adsense

عندما منعوه من الصلاة.. وهدّدوه بزنزانة قرب جعجع

حجم الخط

كثيرون قد يستخفّون بمصطلح "النظام الأمني" اللبناني السوري، وبمدى تسلّط هذا النظام على الحياة اليومية للبنانيين، صغارهم وكبارهم، لا بل ربما كان الكبار الأكثر معاناة من وطأة القبضة الحديدية، اللسان الحديدي، والأذن الحديدية لذاك النظام.

رفيق الحريري عانى يومياً من حقد هذا النظام الأمني الذي لم يفوّت فرصة إلا وأشعره بأنه مطارد ومرصود. حتى في بيته كان لا يشعر بأمان الكلام. فالجدران كانت لها آذان. لذا كان يختار وسط الغرف أو الصالونات ليتحدّث وبصوت خافت أيضاً. المهم ألاّ يكون بالقرب منه أي شيء ممكن أن يخبّئ أداة تنصّت. كان رئيس حكومة ويفترض أن سلطة التنصّت بين يديه، فإذا به أول ضحاياها. كانت تصله نشرات التنصّت الرسمية. أكوام من أوراق لا تحمل أكثر من حوار بين سياسي وزوجته. أما أوراق التنصّت الدَسِمة فكانت من نصيب "مدلّل" النظام الأمني الرئيس إميل لحود.

أحياناً كان يودّ الحديث بصوت عادي، طبيعي، وهذا ما كان لا يعتبره محموداً في الغرف ذات الجدران. فكان يأخذ من يودّ التكلّم معه الى حديقة المنزل.
حَذَرُه من التنصّت أوجَبَ لغة تخاطب خاصة للتواصل عبر الهاتف ابتكرها الزميل هاني حمود، فكان يُشغل بال المتنصّتين بسبب "شيفرة" الأسماء التي كنا نستخدمها معه. فلأشخاص معينين ولا سيما منهم رموز النظام الأمني كانت هناك أسماء أشبه بأسماء حركية. فإميل لحود مثلاً كنا نسمّيه "علي نون" (زميلنا في جريدة "المستقبل")، والنائب سليمان فرنجية اسمه "صاحبي" والنائب السابق ميشال سماحة "الطويل"، واللواء جميل السيد "القصير"..

أما "طلال" فكان الإسم الحركي لرفيق الحريري نفسه حين كنا نريد إبلاغه بأمر يتعلّق به شخصياً، أو بموقف لطرف سياسي يتعلّق به.
لم يكن التضييق على رفيق الحريري مقصوراً على التنصّت وحسب، بل كانت الرسائل تصله تباعاً لمنعه من أمور كثيرة بما في ذلك أعزّ واجب على قلبه وهو الصلاة. ففي 19 تشرين الثاني 2003 تلقّى منسّق عام جمعية "بيروت للتنمية" صالح فرّوخ اتصالاً من العقيد جامع جامع أبلغه فيه أن العميد رستم غزالي ينتظره في صباح اليوم التالي في عنجر. عندما أطلع فرّوخ الرئيس الحريري على مضمون الاتصال كان جواب الأخير المباشر "لا تذهب". لكنه بعد نصيحة من هنا وأخرى من هناك استدعى الشهيد "أبو طارق" وطلب منه أن يرافق فرّوخ في اليوم التالي الى عنجر. أما سبب اللقاء فكان وحيداً. غزالي قال لفرّوخ: "شو مفكّر حالو الحريري أمير المؤمنين أو مفتي الديار المقدّسة كل جمعة بيصلّي بجامع.. بيكفي يصلّي بالعيد، حاجي بقا كل يوم جمعة بيلمّ الناس حولو وبيدور عا جوامع بيروت".

عاد فرّوخ وأبو طارق الى قريطم ورَوَيا للحريري ما سمعاه. إكفهرّ وجهه وصمت برهة ثم قال: "إلغوا سفري الليلة (كان ينوي السفر الى المملكة العربية السعودية) سأصلّي غداً في مسجد قريطم، وبعد الصلاة أتّكل على الله وأسافر".

إذاً، تنصّت، إنذارات، ومحاولة منعه من أداء الصلاة، وأيضاً تهديده بالسجن، علّه يفكّر ملياً، أو يتراجع، أو يدعْ الآخرين يفكّرون عنه.
ففي 22 تشرين الأول 1999 قمت بزيارة صحفية للمدير العام للأمن العام آنذاك اللواء جميل السيد. لم يكن قد مضى على وجودي في مكتبه أكثر من خمس دقائق حين قال لي: "الرئيس الحريري عدوّ نفسه. هو يتشاطر كعادته ويضرب عرض الحائط بقواعد اللعبة. في كل الأحوال إذا استمر على هذا المنوال فإن ثمة مكاناً شاغراً (زنزانة) الى جانب سمير جعجع في وزارة الدفاع".

وأنا في طريقي الى مكتبي في جريدة "المستقبل"، فكّرت ملياً بما يجب أن أفعل. قرّرت بداية ألاّ أخبر الرئيس الحريري بما سمعت، باعتبار أنني لم أتعوّد أن أنقل إليه تهديداً من أحد، كما لا يجوز ذلك، لكنني ما تعوّدت أيضاً أن أخفي عنه شيئاً، فقرّرت أن أبوح بما عندي.

الرئيس كان في واشنطن في ذلك الحين. اتصلت بالمقدّم وسام الحسن، مسؤول البروتوكول، الذي كان يرافقه الى هناك، متجنّباً الحديث مباشرة مع الرئيس الحريري لئلا أحرجه من خلال الهاتف الدولي (التنصّت). رويت للحسن ما سمعت بلغة "مشفّرة" طبعاً، وأقفلت الخط، قبل أن أتلقّى بعد أقل من دقيقة اتصالاً من الرئيس الحريري نفسه، الذي كان تبلّغ على الفور الرسالة من الحسن، فقال لي بانفعال: "إسمع يا بني، أنا أحدّثك ليسمع من أبلغك هذه الرسالة، لأنني أعرف أنه سيلتقط هذه المكالمة قريباً. ليس رفيق الحريري من سيدخل السجن، وإنما جميل السيد نفسه وأمثاله

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل