على ما يبدو ليس بعد «الخطاب التاريخي»، إلا استمرار «الصمت التاريخي» العربي، مواقف خجولة لأنها ليست أكثر من حبر على ورق، لا تُفيد الشعب السوري بشيء ولا هي توقف سفك دمائه أيضاً، فتحت رعاية العالم كلّه وبمباركته وأناة صبره غير المبرّرة على الإطلاق، بدا كلام رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان «العاطفي» ووزير خارجيّته داود أوغلو بالأمس أشبه بأحجية من أيام «الصدر الأعظم» و»السلطنة»!!
وفيما كانت الأنباء تتوالى عن اقتحام مسجد عثمان بن عفان وتخريبه وسقوط مئذنته، وعن دخول قوات الأمن والجيش الى سقبا وتنفيذها اعتقالات عشوائية تعسفية وإصابات بالعشرات عدد الشهداء 17 منهم 11 شهيداً من بابا عمرو، وعن انتشار أمني في بانياس لمنع أي تظاهرة، وفيما كانت اللازمة المعتادة منذ خمسة أشهر للنظام السوري تعيد اجترار جملتها الوحيدة: «الجيش تدخل بطلب من أهالي مدينة إدلب وريفها بهدف ملاحقة المخربين والعصابات المسلحة»، في هذا الوقت بالتحديد كان داود أوغلو يجيب على أسئلة الصحافة في مؤتمر صحافي مع نظيره المصري قائلاً إن ما حمله إلى سورية «نظرة تركية خالصة»، وعن مهلة «الأيام الحرجة المقبلة»، كان رئيس حكومته رجب طيب أردوغان يقول أمام حزبه: السلطات السورية تصوب السلاح تجاه شعبها، ولا يمكن للرئيس السوري بشار الأسد وللسلطات السورية التحدث عن الإصلاحات بينما الشعب السوري يقتل، فلن تضحكوا على الشعب السوري ولا على العالم، وأنّ على الرئيس السوري أن يقوم بالإصلاحات التي وعد بها واتخاذ خطوات في خلال أسبوعين باتجاه عملية الإصلاح»، تناقض شديد الغرابة بين تناقض القتل والعنف وتوجيه السلاح إلى صدور الشعب، وقيام مرتكبي كلّ هذه التجاوزات بإصلاحات، وبصرف النظر عن «مهزلة» إعطاء مهلة جديدة للنظام السوري لينفذ إصلاحات حقيقيّة خلال 15 يوماً، كانت أعداد قتلى يوم أمس حتى المساء تجاوزت 15 قتيلاً، الأمر يبدو وكأنّه فرصة حقيقيّة وذهبيّة لإنجاز ما تبقّى من مهام القتل وقمع الشعب السوري!!
وفيما كان الإعلام منصرفاً إلى قراءة الموقف السوري في كلام داود أوغلو، كان الأجدى قراءة هذا الموقف عبر الصحف السورية الصادرة بعد الزيارة، ومن طريف ما تنشره الصحف والمواقع السورية الموالية للنظام «تحليلات» تنسبها لمصادر «زوار دمشق» الواردة على صفحات جرائد لبنانية موالية هي أيضاً للنظام السوري، فقد يكون السبب هو شحّ مصادر الصحف السورية داخل دمشق؟!
الموقف السوري بحسب صحفها يؤكّد أن لا شيء تغيّر وأن عقليّة القمع ستبقى هي السائدة، فبحسب موقع شام برس الذي ينقل عن جريدة السفير اللبنانية بحيث تبقى نظرية المؤامرة هي السائدة بل بلغت حد تشبيه ما يحدث بأنه حرب تموز جديدة على سورية، وكأن الشعب السوري هو العدو الإسرائيلي في هذا العدوان: «يقول الزوار ان المقاربة السورية للمواقف العربية والإقليمية والدولية المتصاعدة تنطلق من مقاربة مفادها أن عجز الأميركيين وبعض الدوائر العربية عن هز البنية السورية المتماسكة حتى الآن (…) أما نظرية المؤامرة والمخطط الدولي فتتحدث عن: «فشل هذا المخطط جعل الخارج الاقليمي والدولي يفقد اعصابه فارتفعت الاصوات ودخلت دول الخليج على الخط مباشرة بعدما كان يعمل بعضها خلف الستار، والآن يسوقون لمقولة تهور النظام السوري، في مشهد يعيد التذكير بالعبارات التي استخدمتها بعض الأنظمة، وخاصة السعودية أثناء حرب تموز 2006 ضد المقاومة اللبنانية، وهذه يعني أننا أمام حرب تموز دولية جديدة هدفها هذه المرة اسقاط النظام السوري بما يشكله من موقع استراتيجي حاضن للمقاومة»، هي نفس نغمة دعم المقاومة، مع أن المتمسك الوحيد حتى الآن بنظام جبهة الجولان الباردة هي إسرائيل!!
وفي نفس الوقت كان إعلام النظام يتحدّث عن أردوغان ويكيل له التهم على منحه النظام مهلة أسبوعين بحسب ما أعلنه، فتتهمّ نائبه بأنه: شجع المجتمع الدولي على القيام بشيء ما ضد سورية، وأنّ حزباً تركياً معارضاً اعتبر أن أردوغان يخدم واشنطن ويُعدّ لضرب سورية معتبراً زيارة اوغلو لدمشق بصفته سفيراً للولايات المتحدة لا لتركيا».
إنّ أسوأ ما نشاهده منذ خمسة أشهر هو القتل اليومي للشعب السوري، فيما النظام يُناور بالحديث عن إصلاحات وهميّة، وعلى رغم ان أعداد القتلى بلغ أكثر من الفين في إحصاء أولي وتجاوز الخمسة آلاف، وعشرات آلاف المفقودين، وما زال النظام يمنح رخص القتل ويجري تمديدها له المرة تلو الأخرى، في مصر لم يتجاوز عدد القتلى 900 متظاهر، ومع هذا لم يقل أوباما بعد جملته الشهيرة: «الآن يعني الآن»، لأنّ أوباما ما زال في طور «أنه يعتقد»!!