#dfp #adsense

“حزب الله”… أو الأنتداب الثالث

حجم الخط

وقع لبنان خلال القرن الماضي فريسة في أشداق ممتهني الهيمنة، غربيين كانوا أم عربا. وخرج المؤتمرون في سايكس- بيكو ببدعة الأنتداب، فتمّت "كرتنة" لبنان (من كارانتينا أي فرض العزل أو الحجر ولمدّة معيّنة)، لكنّ العزل لم يكن لتوفير الحماية في مواجهة خطر انتشار وباء، بل لمساعدة البلد على بلوغ سنّ الرشد السياسي والوطني فيتمكّن بالتالي من حكم نفسه بنفسه. هكذا ورد في أعلان الدول التي "زاحت" السلطنة العثمانية وقعدت محلّها. وكان لبنان من نصيب الفرنسيّين الذين أستقدموا حضارتهم التي أنضجتها الثورة، فتعرّف شعبنا على ثقافة الحرية والعدالة والأخوّة مشوبة بممارسات أنتدابية ليس أقلّها السيطرة على الحكم وقرارات الحكّام الفرنسو- لبنانيّين. وقد دامت هذه الحقبة عقودا، الى أن قرّر الميل التحرّري التخلّص من الأستعمار الغربي بشكل ناجز. وحصلت المواجهة التي أسفرت عن نيل لبنان أستقلاله، فعاش اللبنانيّون في كنف الحريّة التي لا تنسجم ألاّ مع النفوس الأبيّة.

لكنّ الأستقرار الوطني برعم ولم يزهر، فسرعان ما خضع لبنان لأنتداب ثان، بعد العام 1976، وكان مبطّنا في بداية الأمر، غير أنّه كشّر عن أنيابه بعد الطائف وأحكم القبضة على مساحة البلد برمّتها. لقد أعمل الأخوة السوريّون الظلم والقمع وأنواع الهيمنة في الجسد اللبناني، وشلّعوا التضامن الوطني مستخدمين الأسلوب العثماني الذي فرّق فساد، وقلّبوا شرائح النسيج الشعبي بعضها على البعض الآخر، ووضعوا اليد على الصغيرة والكبيرة، وأحصوا على الناس أنفاسهم. وأتت ارتكاباتهم ثمارها، فلاذ اللبنانيّون بالخوف والحذر والهجرة، وعاش أكثرهم "حياة نباتية"، فوفّروا على السوريّين وعلى أنفسهم عناء المراقبة والرصد والتدخّل و"شرّف على فنجان شاي، الضابط بدّو ياك". غير أنّ الجسم الذي أنهك فوق الكرسي الكهربائي بصاعق متردّد، تململ فيه نفس الحريّة فأنتج نداء في العام 2000 عبر حاجز الخوف وأسّس لحراك بعد خمس من السنين نفض الحجر والكفن، فكانت ثورة الأرز التي وضعت حدّا للأنتداب الأخوي.

وما كاد اللبنانيّون يتنسّمون بوادر الحريّة، حتى أطلّ الأنتداب الثالث برأسه من فوّهات الصواريخ المهرّبة والبنادق التي تاهت عن أهدافها. والغريب أنّ الأنتدابين السابقين كانا خارجيّين وبأدوات خارجيّة، لكنّ الأنتداب الجديد، وان كان خارجيّا ألاّ أنّه بأداة بلديّة. فالنظام الفارسي الذي يلعب على وتر الخلافات العربية والأنقسامات والأنتفاضات، يحاول أن يتسلّل الى داخل الأنظمة والكيانات بشتّى الطرق، تارة بتأليب الشعوب على الحكّام، وتارة بدعم الحركات المسلّحة الخارجة عن سلطة الدولة الشرعية للأنقلاب عليها بقوّة السلاح والترهيب، وتارة بأغداق الأموال على حيثيّات طائفية هجينة لزرع الضعضعة والفرقة والمواجهة بين شرائح الأنسجة الوطنية ما يؤدّي الى الفوضى الدمويّة…

ففي لبنان، الساحة الأبرز للاّعب الفارسي، جعل الأصيل حزب الله وكيله الألهي. ومارس أزدواجية في الموقف,فبينما كان مسؤولوه يصرّحون بأنّهم مع قيام الدولة وبسط سلطتها على كامل أرضها، لم يتورّعوا عن مدّ "حزب الله" بالأسلحة والمال بذريعة مواجهة أسرائيل، وهم بذلك يحضّرونه بديلا عتيدا عن الدولة التي لم يعترفوا بها أصلا. وحمل "حزب الله" رسالة الأنتداب الثالث في قلبه وعقله، وبثّها بلسانه وأدائه، فأطاح بالعقد الأجتماعي السياسي، وقوّض دعائم الديمقراطية، وأدخل البلد في حالة تمزيقية، وتمترس داخل غيتو خاص به ومحظور على ما يسمّى الدولة، وأطبق على القرار الأمنيّ في المؤسّسات، وعزل لبنان عن الأجماع العربي في قضايا مفصليّة محدّدة، ونأى بنفسه عن قوانين الدولة وعن القانون الدولي، وكرّس خائنا وعميلا كلّ من لا يهرق ماء وجهه على أعتاب بلاطه. وبكلمة أشتدّ ساعده بالدعم الشعوبي ليصبح مغتصب السلطة الشرعي.

انّ الأنتداب الثالث لا يقلّ خطرا عن سابقيه، في حمله أجاندة مشبوهة وأستراتيجية لا تمتّ الى مصلحة لبنان بصلة، تبدأ من عسكرة المجتمع وتغويصه في حرب أبدية، مرورا بنحر الديمقراطية لحساب ثيوقراطية مستوردة من رواكد القرون البائدة، ووصولا الى ترجمة واقعية للأيديولوجيا المهدية التي تقضي على هوية الدولة وكيان الوطن. لقد واجه الأستقلاليّون من أبناء وطننا الأنتدابين بصدور عارية وهمم مشحوذة وجباه عالية، واستطاعوا أن يدحروا من تطاول على تراب البلاد ويجرّعوه علقم الأحباط والهزيمة. فمن واجه وانتصر، لا بدّ له وللمرّة الثالثة من أن يؤمن بجدوى المثل الشعبي : "حبّ الموت يكرهو غيرك".

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل