“المستقبل”: هكذا أجهضت “الكرسي” تفاهماً بين الحريري وعون


كتب جورج بكاسيني في صحيفة "المستقبل":

سعد الحريري وميشال عون

الأول وَرِث عن أبيه الكثير، لكن الأهم كان مجداً سياسياً بناه حجراً حجراً بفعل الخير وحب الوطن، وبنظرة استراتيجية ثاقبة جاهدت لأجل إنهاء الحرب الأهلية، وعملت بعدها من أجل خلق الشروط الموضوعية للسلم الأهلي وللسيادة الحيوية والمنفتحة وللتحديث المسابق لروح العصر.

كل هذا أكسب الرئيس رفيق الحريري حب الناس، وأكسبه في مقابل ذلك حقد الحاقدين من الناس. ضاقت في أعينهم تجربة رجل أحبّ وطنه حتى الشهادة، لأنه أراده وطناً لكل أبنائه، بل وطناً أكبر من أبنائه.

ما تعرّض له رفيق الحريري لم يكن من قبيل النكد والكيد، بل كان حقداً خالصاً تفجّر بعبوة بزنة ألف كيلوغرام من المتفجّرات أودت بحياته وكانوا يأملون أن تودي بأحلامه الوطنية أيضاً.

وإذا كان كثيرون تصالحوا مع رفيق الحريري بعد اغتياله، فقد كان لافتاً حقاً بروز عدو خالص للحريرية بزّ حتى أشاوس النظام الأمني في حقدهم، ونقل عنهم كل بهتانهم وافترائهم حرفاً حرفاً، وبلغ به الحقد مسلكاً "استئصالياً" للحريرية "أباً عن جدّ". فلم يتورّع يوماً عن شتم الأب، بعد استشهاده، والشماتة بقيمة الشهادة، وكذلك شتم الابن. وخَرَق في شتيمته كل المحرّمات، حيث طاول الجمهور العريض كما طاول طائفة من طوائف العقد اللبناني.

وقد يأنس الموهومون لفكرة أن حبّ الجنرال لـ"التغيير والإصلاح" ومحاربته للفساد وراء موقفه ضد الحريرية، لكن كل هذه الرطانة اللحودية لم يرثها عن النظام الأمني إلا بعد عودته الى بيروت، وفي مرحلة كان فيها النظام الأمني يتداعى. فلماذا كل هذا الحقد؟ ولماذا كل هذا الستار الدخاني الذي يستخدمه ضابط المدفعية لتسويغ حربه الإلغائية ضد الحريرية، وللتمويه عن حركة لا ينكرها أصلاً، بل يفاخر بها، وهي حركة هادفة أصلاً ودائماً وأبداً للوصول الى كرسي الرئاسة الأولى؟

إن وراء الحقد الخالص نوعاً من الحب الخالص.. والشاذ!

فالحقّ أننا لا نفي العماد ميشال عون قدره إلا إذا ما أقررنا معه أن عشقه للكرسي هو من حبّ طاهر، أي أن هيامه وولعه بالكرسي وبالمقام الأول في الدولة اللبنانية لا يجعلانه يحب أي شيء آخر أو يقيم وزناً لأي مقام آخر. كما أن هذا الحب بمعنى من المعاني هو حبّ عذري، لأن كرسي الرئاسة (بالمؤنث هذه المرة)، ظلّت تضرب للجنرال موعداً يتأجّل منذ العام 1988، إلا أنه ما فتئ يبادلها الوفاء، يتحرّق شوقاً لملاقاتها في القريب العاجل، ويفقد صبره أمام أبسط انتقاد له، ويستشيط غضباً كلما اقترب منها كائن، إلا أنه لا يفقد العزيمة في آخر الأمر، ويثابر في سعيه، وراء الحلم، طمعاً بالكرسي التي يمكن أن تلخّص كل خطاباته بكلمة واحدة: "هاتوها!"

وشيئاً بعد شيء أمكن للبنانيين رسم "قوانين حركة العماد عون في اتجاه الكرسي". فهي أولاً الكرسي التي يريدها ولا يريد شيئاً آخر إلا إن كانت توطئة لها وعطراً يفوح منها أو يحرّضه عليها. وهي ثانياً الكرسي التي يريدها من أجل نفسها، "الكرسي من أجل الكرسي"، على طريقة "الفن للفن"، وهذا يطرح السؤال: هل كان العماد عون سيقبل التخلّي عن الكرسي بعد ست سنوات على ما يرتئيه الدستور، أم كان سيطالب بالتجديد تلوَ التجديد، ما دام المنطق الذي يسوّغ من خلاله أحقيّته بالرئاسة الأولى هو منطق يفترض فيه أن يبقيها له الى الأبد؟

وثالثاً، فإن هذه الكرسي التي يريدها الجنرال بهذه الطريقة العبثية يريدها أيضاً مهما كان الثمن. كانت وطأة التدخل السوري مرهقة جداً للبنانيين في نهايات الحرب الأهلية، لكنه لم يشعل "حرب التحرير" إلا من أجل الكرسي، ولما امتنع النظام السوري حينذاك عن تكريسه في معادلة "اعطوني رئاسة الجمهورية أصير جندياً في جيش حافظ الأسد". وطبعاً، كانت النتيجة استكمال النظام السوري بسط وصايته على كامل الأراضي اللبنانية.

وفي سبيل "الكرسي" أيضاً، قام بحرب "الإلغاء" مختتماً الحرب الأهلية بين اللبنانيين، بحرب أهلية بين المسيحيين أنفسهم، بالشكل الذي أضعفهم بشكل بنيوي مع انتهاء الحرب ككل. ومن أجل الكرسي أيضاً انضم الجنرال عون في البدء الى صفوف المعارضين للتمديد لاميل لحود، لكنه عندما لم يضمن أنه سيكون المرشح الوحيد لخلافته جعل نفسه حارس التمديد الأول. ومن أجل الكرسي أيضاً وأيضاً افتتح الجنرال عون بورصة مواقفه أثناء حرب تموز عارضاً "الوساطة" بين الدولة اللبنانية والأمم المتحدة، لترسي الأسهم في نهاية المطاف على تعميده أحد صنّاع النصر الإلهي الكبير.

وعلى هذا المنوال نفسه، انتقل الجنرال من "حرب التحرير" ضد سوريا، الى موالاة النظام السوري اليوم في حرب التحرير الإبادية التي يخوضها ضد شعبه، ولم يكن مستغرباً إذاً أن يضع الجنرال كامل خبرته الهجومية والصاروخية في "حرب الإلغاء" التي يقودها النظام الأمني الجديد المتمحور حول "حزب الله" ضد سعد الحريري، وإن اختلفت هنا نوعية الصواريخ، فجاءت سيلاً من التهديدات والشتائم والأحقاد بلغت حدود تهديد الحريري بالنفي.

ما من استحقاق إلا ويتناوله الجنرال من موقع حبّه العذري الفتّاك لكرسي رئاسة الجمهورية، اللعبة التي يعتبر أنها سُرقت منه لأنه أقام في قصر بعبدا، علماً أنه لم يلعب بها يوماً، وانما ظلّ يلعب حولها، وبقدر ما كان يرفض أن ينضج، وأن ينمّي سوّيته الذهنية كانت اللعبة تبتعد عنه.

فالكرسي ظلّت تبتعد وتبتعد عن الجنرال كلما كان هو يرفع من سعار صراخه بأن "هاتوها..هاتوها". غريب أمره. كل من أعتقد أنه السبب في دفعه عنها، وحرمانه منها، حَقَد عليه، وحاول إلغاءه. ولا مرة جلس هذا الشخص مع نفسه، وفكّر للحظة واحدة، بأن المحبوبة التي لا تبادل من يحبّها هذا الحب لا تستأهل كل هذا العناء، ولا أن تكون حبيبة له.

إلا أن "منظومة الممانعة" التي يقودها في لبنان "حزب الله" فهمت الحب العذري للجنرال بشكل حذق وماهر. وعدته بالكرسي. فرح كالطفل. قالت له إن دون الجلوس على الكرسي تحدّيات ومطبّات. أكد استجابته، فليس إلا بالفروسية من أجل الكرسي يكون الاستحقاق. وشيئاً بعد شيء أفهمته الممانعة بأن ذلك لن يكون إلا بعد إلغاء كل الخصوم في لبنان، وبعد استكمال النصر الإلهي بتحرير الجليل والمثلّث والنقب، وأن ما يراه الآخرون بعيداً ينبغي أن يراه هو قريبا. وهكذا كان، خصوصاً وأن الجنرال ينظر الى نفسه كزعيم أوحد وخالد أبد الدهر، كسائر الزعماء الذين يتهاوون في ربيع العرب اليوم، وهذا ما فهمته الممانعة أيضاً، فقالت له في سرّها، ما دمت تريد الرئاسة ووعدناك بها، فانتظر أنت أيضاً ثلاثمئة عام قد تزيد أو تنقص، فلست أفضل من المتهمين الأربعة في اغتيال الشهيد رفيق الحريري فهؤلاء أيضاً سنحميهم من العدالة الدولية لثلاثة قرون تزيد أو تنقص.

اليوم بالذات، في عزّ ربيع العرب، صار من الممكن كشف النقاب عن حكاية "كرسي بعبدا" التي حالت من دون بلوغ "تفاهم" بين سعد الحريري وميشال عون قبل إعلان الأخير "تفاهمه" مع "حزب الله"، وصار ممكناً التطرّق الى تفاصيل ما جرى العمل عليه قبل ثلاثة أشهر من موعد "تفاهم مار مخايل"… بين بيروت والرابية والرياض، للوقوف على أسباب حقد الجنرال المتصاعد على الحريري.

كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟

كان ذلك في النصف الأول من آب عام 2005، عندما اتصل صديق مشترك بين المهندس جبران باسيل مسؤول الاتصالات السياسية في "التيار الوطني الحر" والزميل المحامي وليد يونس (عضو المكتب السياسي في تيار "المستقبل") بالأخير مقترحاً تمهيد الأجواء بين "التيار الوطني الحر" و"تيار المستقبل"، لترطيب الجو بعد معركة انتخابية شرسة وقعت قبل بضعة شهور.

واقترح الصديق، (الذي أتحفظ عن ذكر اسمه لأنني لم أستأذنه عند كتابة هذا النص)، على يونس عقد لقاء بينه وبين باسيل ويونس وكاتب هذه السطور.

فاتحني الزميل يونس بالأمر، فاستأذنت رئيس تيار "المستقبل" النائب سعد الحريري الذي لم يمانع قائلاً: "لا مانع من معرفة ما يجول في خاطرهم".

اللقاء الأول مع باسيل

قرّ الرأي أن يعقد اللقاء الأول في مكتب الزميل يونس في منطقة الجديدة بحضور الأربعة باسيل والصديق المشترك ويونس وأنا. كان عبارة عن مقدمة أو تمهيد لحوار انطلق بداية من نتائج الانتخابات النيابية التي كان عون حقّق فيها فوزاً كبيراً في الساحة المسيحية كانت حصيلته حصد 70 في المئة من أصوات المسيحيين. وكانت هذه النتيجة نقطة الارتكاز التي انطلق منها باسيل اعتقاداً منه أنها ستساعده في المفاوضات، وصولاً الى نهاية لم نكن نتوقّعها.

والمعروف أن الجنرال فَرَط عقد "14 آذار" أثناء التفاوض على اللوائح الانتخابية عشية انتخابات 2005، بعدما فشل في إبعاد مجموعة من رموز "14 آذار" في هذه المفاوضات، فتمسّك مثلا بمرشح أرثوذكسي لتياره في بعبدا بدلاً من النائب السابق انطوان اندراوس، كما رفض التحالف مع النائب السابق نسيب لحود والنائب الشهيد بيار الجميل في المتن الشمالي، كما وضع "فيتو" على النائب السابق منصور البون في كسروان والنائب السابق فارس سعيد في جبيل، وأيضاً على صولانج الجميل في الاشرفية وروبير غانم في البقاع الغربي.

هذه المفاوضات التي فجّرها ميشال عون أثناء وجود النائب السابق غطاس خوري، ممثلا النائب سعد الحريري، في منزله في الرابية، معلناً أثناء استكمال الاجتماع بين خوري وباسيل وآلان عون وزياد عبس انه "الاسكندر المقدوني"، بقيت نتائجها ماثلة في ذهن باسيل الذي كرّر مراراً وتكراراً أن نتائج الانتخابات أثبتت صحة وجهة نظر عون بدليل نيله هذه النتيجة من اصوات المسيحيين.

رغبة في التفاهم مع "المستقبل"

لكن باسيل أبدى في هذا اللقاء رغبة بالتفاهم مع تيار "المستقبل" انطلاقا من قاعدة تحدث عنها مفادها أن التيار "الوطني الحر" هو أكبر تيار سياسي عند المسيحيين، وأن تيار "المستقبل" هو الأكبر في الشارع الاسلامي، ليستخلص من هذه القاعدة أن "التفاهم" بين هذين التيارين إنما يساهم في حلّ مشاكل البلد ويضع الأمور في نصابها.

بناء على هذه المقاربة، وجدنا أن قاعدة النقاش صحيحة، وأن تيار "المستقبل" الراغب في بناء شراكة وطنية هي البديل الوحيد من مرحلة الوصاية، لا يجد نفسه الا في هذا الموقع خصوصاً إذا ما قام أي تفاهم على قاعدة الثوابت الأساسية وفي مقدمها سيادة لبنان ووحدته واستقلاله.

وعلى هذا الأساس انتهى اللقاء على أمل عقد لقاء ثانٍ يتمّ خلاله البحث في التفاصيل.

وبالفعل، وبعد أن أطلعت النائب الحريري على نتائج هذا اللقاء، وافق على المشاركة في اللقاء الثاني لمعرفة المزيد من التفاصيل، مشترطاً نقطة وحيدة لاستكمال هذا الحوار وهي عدم قبوله بالتخلّي عن أي حليف من قوى "14 آذار"، تحت عنوان أنه لا يمكن "أن أتخلى عن أي طرف سياسي شارك في تظاهرة "14 آذار" 2005 في ذكرى استشهاد والدي".

اللقاء الثاني في منزل باسيل

فكان اللقاء الثاني في منزل باسيل في الرابية بحضور الاربعة أيضا، حيث ألمح باسيل أكثر وأكثر الى اشكالية العلاقة بين تياره وبين مسيحيي "14 آذار"، ما اضطرنا الى التأكيد مجدداً على ثوابت موقف الحريري الرافض لمبدأ التمييز بين أي طرف وآخر شارك في "ثورة الأرز".

وتم التركيز على ثوابت العلاقة المطلوبة بحيث تمت مقاربة شبه شاملة للعناوين الرئيسة التي تحيط بظروف البلد في تلك المرحلة، فكان التفاهم تاماً على كل ما اثير في ذلك اللقاء، مما شجّع باسيل على اقتراح تتويج هذا الحوار بلقاء بينه وبين النائب الحريري.

بعد اللقاء مباشرة، أطلعت النائب الحريري على نتائجه في نيويورك حيث كنت في عداد الوفد الاعلامي المرافق في زيارة التقى خلالها كبار المسؤولين في الأمم المتحدة في 15 ايلول 2005، على هامش اجتماع الجمعية العامة التي ألقى خلالها الرئيس الممدّد له إميل لحود كلمة لبنان وحيداً في القاعة بسبب مقاطعة أغلبية الوفود الدولية المشاركة.

وافق الحريري على اقتراح اللقاء لكنه أضاف أنه لن يعود الى بيروت في وقت قريب بسبب انتقاله من نيويورك الى المملكة العربية السعودية ومكوثه هناك لفترة طويلة "فإذا كان يرغب في لقاء سريع أهلاً وسهلاً به في منزلي في الرياض في أي وقت يريد".

اتصلت بباسيل من هناك ناقلاً اليه الدعوة فوافق على الفور، متمنياً لو أن النائب الحريري يدعوه بنفسه "وفقاً للأصول". وهكذا كان.

باسيل في الرياض

وبالفعل، بعد أيام قليلة، انتقل باسيل الى الرياض حيث زار الحريري في منزله، فالتقاه في اليوم الاول على مدى ست ساعات، وفي اليوم التالي على مدى ست ساعات ايضاً. عاد الى بيروت اتّصل بي ليبلغني ان اللقاء كان ممتازاً وأنه فوجئ بمزايا سعد الحريري وطيبته، واقترح أن نلتقي سريعاً لإطلاعي على النتائج.

في اليوم التالي، زرته في منزله في الرابية، كان اللقاء ثنائياً. حدّثني عن تفاصيل لقائه بالحريري، مكرّراً اعجابه بالأخير. لكنه استدرك قائلاً: "تبقى هناك ثغرة في هذا اللقاء". استغربت سائلاً: "ما هي؟" فقال: "الحريري لم يتطرّق الى موضوع انتخابات رئاسة الجمهورية البتة". أجبت مستغرباً: "انتخابات الرئاسة قبل ثلاث سنوات من موعدها؟" قال: "طبعاً، ولو قبل عشر سنوات. هذا موضوع جوهري بالنسبة الينا ولا يمكننا تجاوزه". قلت: "لكن كيف لسعد الحريري فتح هذا الملف منذ الآن من جهة، وبالتالي تجاوز أطراف اساسية معنية به، أي المسيحيين تحديداً، وفي مقدمهم بكركي. من جهة أخرى؟ فصحيح أن النائب الحريري يمثّل قوة ناخبة كبيرة في مجلس النواب لكنه ليس وحده من يقرّر في ملف يعني المسيحيين أولاً. أليس العماد عون أول من انتقد النائب الحريري على تعاطيه في مسائل مسيحية، متّهماً اياه بالتدخّل في مسائل تعني غيره؟".

عون الرئيس أو لا اتفاق

قال باسيل: "إذا لم نتّفق على من هو المرشح لرئاسة الجمهورية، فلا يمكننا الاتفاق على شيء، فالعماد عون يمثّل 70% من المسيحيين ولا يمكن تجاوز هذه الشرعية التمثيلية والاتيان بمرشح آخر الى قصر بعبدا". أجبت على الفور: "من واجبي أن أنقل ما سمعت بأمانة، والنائب الحريري هو من يجيب عن هذا السؤال، لكني أعبّر لك عن رأيي الشخصي في هذا الخصوص ومفاده أنه من الصعب أن يكون ثمة قرار للنائب الحريري في هذا الشأن منذ اليوم".

رَبّت باسيل على كتفي، وقال: "النائب الحريري حرّ في ما يقرّر، لكن هذا موقفنا. وهنا أفتح هلالين لمعلوماتك الشخصية ولا أخفي عليك بأننا نجري مفاوضات منذ فترة بعيداً عن الأضواء مع "حزب الله"، فإذا لم نتّفق معكم يكون الاتفاق من نصيب طرف آخر".

"مناورة"… صحيحة

اعتبرت أن ما سمعته من باسيل هو مجرّد تهويل أو في سبيل المناورة بقصد الضغط على النائب الحريري وابتزازه للموافقة على ميشال عون رئيساً للجمهورية، وسارعت الى القول: "ميشال عون يتّفق مع "حزب الله"! هذا أمر مستحيل، إنها مجرد مناورة". فأجاب باسيل: "إن غداً لناظره قريب".

خرجت من هناك وأنا على ثقة أكيدة بأن الكلام عن مفاوضات مع "حزب الله" هو مجرّد مناورة، وهو الانطباع الذي نقلته الى النائب الحريري الذي كان جوابه بصرف النظر عن هذه "المناورة"، أنه لا يمكن أن يوافق على دعم أي مرشح للرئاسة قبل أن يحين أوانها وبمعزل عن رأي حلفائه في "14 آذار".

وفي 7 شباط 2006، أي بعد ثلاثة أشهر ونيّف من اللقاء الأخير مع جبران باسيل أبصر "تفاهم ميشال عون مع حسن نصرالله" النور فعلاً، وصار حقيقة بخلاف الاعتقاد أن هذا الأمر مستحيل. فالمستحيل استحال حقيقة ووقّع الجنرال تفاهماً مع "حزب الله"، طبعاً بعد "وعد صادق" من الأخير بلقب الفخامة، قبل أن يكتشف الجنرال أن "استدراج العروض" الرئاسية الذي قدّمه للطرفين في آن فشل، وأن وعد الحزب لم يكن البتّة صادقاً، بدليل أن الانتخابات الرئاسية في 2008 أوصلت جنرالاً آخر وميشالاً آخر الى قصر بعبدا وليس الجنرال ميشال عون، مع فارق أن سعد الحريري كان صادقاً بالفعل عندما تحفّظ عن عدم الالتزام بموقف إزاء ترشيح عون، بخلاف "حزب الله" الذي لم يكن وعده للجنرال صادقاً تماماً ككل وعوده الأخرى.

ولعلّ أبلغ الكلام عن بركان الحقد الموقوت الذي يختزنه عون تاريخياً للحريري الأب كما للحريري الابن، الذي يوازيه في المقابل هَوَس مرضي بكرسي الرئاسة الأولى، ولو على أنقاض وجثث الحلفاء قبل الخصوم، ما صدر عن لسانه حرفياً حيث قال للسفير السابق جوني عبدو، أثناء زيارة له في منزله في باريس قبيل عودة الجنرال الى بيروت في أيار 2005: "المسيحيون (يقصد نفسه) هم الرابح الأكبر مما حصل، فقد تخلّصوا من رفيق الحريري وخرج الجيش السوري من لبنان".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل