من عهد الوصاية السورية إلى عهد وصاية السلاح…مسلسل حرب الإلغاء ضد الحريري 1998 ـ 2011…”المستقبل”: ديموقراطيو “اليسار” يقتربون من “الحريرية” و”الواكيميون” يحاربونها

كتبت فاطمة حوحو في صحيفة "المستقبل": ثمّة أمور "مفتاحية" لا بدّ من إعادة وصلها. منها أنّ الانقسام بين يمين ويسار لم يكن الانقسام الرئيسيّ في تاريخ لبنان الحديث، وخصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب. ومنها أنّ الأيديولوجيا اليسارية في مجموعها مجهّزة بموانع عدة تحول دون الاقتراب من الظاهرة التي مثّلها الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومشروعه. ومنها أن الرئيس الحريري ليس "يسارياً"، وإن كان لم يعرّف عن نفسه يوماً كـ"يميني".

فاليسار يعطي الأولوية للعدالة الإجتماعية على الحيوية الإقتصادية نفسها، ويربط العدالة الإجتماعية بمفهوم محدّد هو إعادة توزيع الثروات لمصلحة الطبقات الشعبية. أمّا المشروع الذي قاده الرئيس الحريري فينطلق من أهمية المبادرة الفردية، ومن أولوية إعادة الحيوية والحركة إلى الإقتصاد نفسه، وإعداد البنية التحتية المؤهّلة لجذب الإستثمارات، ويعتبر أن تعميم مناخات التفاؤل ضرورة قصوى لأي نموّ اقتصاديّ سليم، وأنّ التشاؤم في هذا الجانب هو الظهير الأيمن للضمور والكساد، خصوصاً بالنسبة إلى بلد صغير كلبنان، وإذا كان اليسار ينادي بأولوية الإنتاج على الخدمات، فإنّ رفيق الحريري ينطلق من رؤية مغايرة تقول بأهمية إقتصاد المعرفة، ومركزية الحاجة اللبنانية إليه من أجل إعادة إنشاء طبقة وسطى حديثة وواسعة في لبنان.

كما أنّ "الذاكرة الكفاحية" لليسار اللبناني المهجوسة بالحفاظ على "تقاليد الصراع الطبقي" غير مهيئة لاستقبال ظاهرة "الرأسماليّ الكبير" رفيق الحريري، وإذا كانت الأيديولوجيا اليسارية تبقي جانباً "واقعياً" مفتوحاً حيناً، وموصداً حيناً آخر، فمن خلال نظرية "البرجوازية الوطنية"، أي البورجوازية التي "يحّلل" التحالف معها من موقع اليسار. وتاريخياً، كانت هذه النظرية تفصّل بحسب معايير كثيرة. أحياناً يكون المعيار إقتصادياً أولاً: البرجوازي الوطنيّ هو الذي يعطي الأولوية للإنتاج، وبالأخصّ الإنتاج الصناعيّ. وأحياناً يكون المعيار سياسياً أولاً: البرجوازي الوطني هو القادر على النهوض بشروط الوحدة الوطنية والإنتقال إلى الديموقراطية. وطبعاً، في أيّام الإتحاد السوفياتي، كان البرجوازي الوطني هو من يرضى عليه الخبراء السوفيات في المنطقة.

ومن جهة أخرى، كان على اليسار أن يدير النقاش داخله حول ظاهرة الرئيس الحريري ومشروعه مباشرة بعد سقوط الإتحاد السوفياتيّ والمنظومة الإشتراكية، علماً أنّ اليسار اللبنانيّ كان في أكثره مرتبطاً بهذه المنظومة، ولم يتوجّه البعض منه في إتجاه الإشتراكية – الديموقراطية إلا في أعقاب الزلزال الكبير، هذا إن استثنينا خصوصية "الحزب التقدّمي الإشتراكيّ"، أي الفرع اللبنانيّ لـ"الدولية الإشتراكية".

كما كان على هذا اليسار الذي خاض غمار الحرب الأهلية اللبنانية أن يخوض هذا النقاش في مرحلة استبعد فيه تماماً عن السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد الحرب، وجرى تعطيل مقاومته المسلّحة ضدّ العدوّ الإسرائيليّ بقرار سوريّ، فضلاً عن خروجه بعد الحرب مفتقداً لأبرز مفكرّيه الذين جرى اغتيالهم في أواخر الثمانينيات على يد جهات يعلمها الجميع، ويلخصها ردّ الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني آنذاك الشهيد جورج حاوي "نحن الخمينيون في حال لبنان وأنتم السافاك" (نسبة إلى "السافاك" أو الشرطة السرّية في نظام الشاه قبل الثورة الإيرانية).

في المقابل، كان على الرئيس الحريري أن يتعايش حكومياً مع "حركة أمل" و"الحزب السوري القومي الإجتماعي" و"البعث"، أما "حزب الله" فلم يشارك في أي حكومة ترأسها. وكان من المعلوم تماماً في جمهور اليسار اللبناني هوية الجهة الإقليمية التي تحرمه من أي تمثيل سياسيّ، والتي تنظر باشتباه جديد للمبادرات التي قام بها الشهيد جورج حاوي باتجاه المصالحة الوطنية بعد الحرب، خصوصاً في لقاء انطلياس.
أثار عمل شيوعيين سابقين ويساريين في مؤسسات الحريري، حفيظة آخرين، خصوصاً في مرحلة توقفت فيها "نِعَم" الإتحاد السوفياتي والبلدان الإشتراكية و"مِنَحها الدراسية"، في مقابل استفادة الكثير من أبناء الشيوعيين واليساريين من المِنَح الدراسية التي كانت تقدمها مؤسسة الحريري.

إلا أنّ التطوّرات في مجرى التسعينيات سرعان ما فرضت نفسها. وشيئاً بعد شيء صارَ قسم مهم من اليساريين ينفتح على السمات التحديثية في المشروع الإعماري والإقتصادي الذي يقوده الرئيس الحريري، ويبادله بالنقد الإيجابيّ والتقاطع مع مضامين محوريّة فيه، وترافق ذلك مع مراجعة هذا القسم من اليساريين للأيديولوجيا اليسارية نفسها، في إتجاه تحريرها من "تقاليد الصراع الطبقي"، أو في إتجاه التنظير إلى "تأجيل الخلاف الأيديولوجي" مع رفيق الحريري إلى مرحلة لاحقة.
وكان يعزّز من هذا الميل، افتضاح القسم الآخر من الشيوعيين واليساريين، كأسرى لشبكة الإرتباط مع الوصاية السوريّة، ثم مع تحوّل بعضهم إلى وقود سريعة الإشتعال يسخّرها "النظام الأمنيّ" لحسابه، من حيث تدري أو لا تدري.

وكانت تجربة حكومة الرئيس سليم الحصّ فاصلاً أساسياً في إحداث القطيعة بين هذين الإتجاهين داخل اليسار اللبنانيّ، ثم جاء نداء المطارنة الموارنة، وانطلاقة معركة استعادة السيادة اللبنانية لتوسّع البين أكثر فأكثر، ولتقرّب اليساريين الديموقراطيين والسياديين من خط الرئيس الحريري، في حين تدمج الستالينيين – البريجنيفيين و"الواكيميين – الحداديين" بشكل مطلق بالمنظومة الأمنية – السياسية الملحقة بالوصاية وبالنظام الأمني ثم بـ"حزب الله".

"المنبر الديموقراطي"

وهكذا، كان اطلاق "المنبر الديموقراطي" في 16 أيّار 2001 فاصلاً أساسياً للتمييز بين "يساريي خط الإستقلال والديموقراطية والحداثة" وبين "يساريي خط الممانعة السورية – الإيرانية". المنبر الذي تلا وثيقته النائب السابق حبيب صادق، في حضور النواب وليد جنبلاط ونسيب لحود ونايلة معوض وممثلين عن "التيار الوطني الحر"، دشّن التزام يساريين لبنانيين بالخط السياديّ، فدعوا الى "الحوار مع دمشق من أجل إعادة نشر قواتها وبناء علاقة متكافئة بين البلدين". وثابر المنبر على اطلاق مذكرات وبيانات في تلك المرحلة موجهة إلى الرأي العام، تتقاطع مع "لقاء قرنة شهوان"، وتدعو إلى تصويب العلاقة بسوريا، وإقامة الدولة المدنية الديموقراطية صاحبة القرار المستقل، وإزالة الانتهاك المتمادي للدستور.

في مقابل "المنبر"، انساق اليسار الآخر، "يسار الممانعة"، في "تجمّع وطني" أو صيغ أخرى يقودها النائب السابق نجاح واكيم، وهذه الصيغ لم تكن تعتبر أنّ استعادة السيادة الوطنية أولوية، وإنّما حاولت إعادة تلميع صورة "النظام الأمني اللبناني – السوري المشترك" بعد احتراقها في سنوات 1998-2000. اعتبرت هذه الصيغ أن الأولوية هي لمقاومة "النيوليبرالية" و"الرأسمالية المتوحّشة"، ولدعم المقاومة بشكل متعاظم بعد تحرير الجنوب عام 2000، وفي مواجهة الأسئلة التي تطرح حول مستقبل سلاحها. وكان بعض هؤلاء اليساريين الستالينو- واكيميين يحرّض أحياناً "حزب الله" على سبب وقوفه على الحياد في "المسائل الإقتصادية والإجتماعية" وعدم تصدّيه لـ"الحريرية" في هذا الإطار. كان هذا طبعاً، قبل أن يستغلّ هذا الحزب المسلّح بعد سنوات عدة يافطة "الإتحاد العمالي العام" لينجز غزوة 7 أيّار.

"اليسار الديموقراطي"

إلا أنّ أبرز حركة يسارية معارضة، بأفق سياديّ ديموقراطي قادر على الإنخراط في تحالف جبهويّ مع مختلف التلاوين السيادية والإستقلالية، والإنفتاح في هذا الإطار على الحريرية، كانت "حركة اليسار الديموقراطي" التي كان جزء من مؤسسيها أصحاب تجربة سابقة في "الحزب الشيوعي" وجزء آخر من المثقفين اليساريين البارزين مثل الشهيد سمير قصير والياس خوري وزياد ماجد.

أعلنت هذه الحركة نفسها في 28 أيلول 2004 عبر بيان تأسيسي أكدت فيه "النضال في سبيل الحرية والاستقلال الوطني وبناء دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية". وانضمت هذه القوة الى رموز القوى المعارضة لتمديد ولاية لحود التي كان يسعى إليها النظام السوري. وقد عزّز اليسار الديموقراطي بطرحه من عقد "القومية" و"الوطنية" بانفتاحه على الداخل اللبناني والخارج العربي. وقاربت الحركة مسألة السيادة الوطنية بمنطق جديد، لا يمكن المزايدة عليه لا سيما أن رموزها كانوا من أوائل المقاومين للاحتلال الإسرائيلي. وقد كانت الحركة في قلب ساحة الحرية إثر اغتيال الرئيس الشهيد ولعب كوادرها دوراً هاماً في الاعتصامات والتحركات الشبابية وفي إطلاق عناوين سياسية واضحة ومعبأة.

عطاالله

يوضح أمين سر حركة "اليسار الديموقراطي" وعضو الأمانة العامة في 14 آذار النائب السابق الياس عطاالله صورة تلك السنوات بالقول: "نحن مع الرئيس الشهيد الأب لم نكن على علاقة، ولكن كان هناك تفهم في العمل السياسي على قاعدة مسألة استقلال لبنان ومواجهة الجهاز الأمني المشترك السوري ـ اللبناني، اذ كانت مسألة الاستقلال الأهم بالنسبة إلينا في لبنان بعد الألفين وهي وجهة نظر أعلناها في اجتماعات مع "حزب الله" ودعوناه الى سلوك منطقي وطبيعي وصحيح، يقول إنه بعد الاعتراف بالخط الأزرق والتحرير على "حزب الله" ان يخلي الموقع العسكري ويضع امكانياته في تصرف الدولة اللبنانية التي كانت اهدافها، تحرير أرض البلد، وقلنا أيضاً انه لا يجوز أن تبقى بنية المقاومة مستقلة عن الدولة بعد التحرير، لأن المقاومة مهمة لتحقيق هدف والهدف كان تنفيذ القرار 425، وبما انه كان لنا دور أساسي في المقاومة وانطلاقتها ولحدود 1988، حيث ان وقائع تلك المرحلة لا يستطيع ان يتجاوزها أي عاقل، انما تستطيع اجهزة الاعلام والاضطهاد ان تزوّر التاريخ ولكن ليس على مدى طويل".

ويتابع: "عام 2000 اذاً، التحرير اكتمل بنظرنا وإذا كان هناك مشكلات متبقية، فعلى السلطة اللبنانية متابعتها. في هذه الأجواء بدأنا نطرح في الاجتماعات التي تجري وجهة نظرنا، في اوساط القوى الديموقراطية في البلد، وكان في طور التكون "لقاء قرنة شهوان". وفي أيلول سنة 2000 خرج بيان المطارنة حول التحرير والانسحاب السوري، فاعتبرنا انه لا بد من العودة لاستقلال لبنان عبر تخليصه من سلطة الوصاية بهذا الاتجاه، وأنشأنا "المنبر الديموقراطي" وقد وجدنا أن الرئيس رفيق الحريري ربما لم يكن يحب طرح الشعارات، ولكن سلوكه القائم على حضور مدينة بيروت والاعمار ودعمه المقاومة سابقاً في عدوان 1996 وشرعنة عملها جعلنا نتطلع الى مواقفه".
وحصلت اجتماعات قبيل استشهاد الرئيس الحريري وكانت هناك مشاركة في اللجنة التحضيرية حينها، تابعها باسل فليحان، وكانت الاجتماعات تجري في مقر "اليسار الديموقراطي" واحياناً في مقر "التقدمي الاشتراكي" ثم توجت في "البريستول" الأول بعد الاغتيال" تحت عنوان "حماية الدستور" والدفاع عن الجمهورية".

وعن موقف اليسار المعارض للمشروع الاقتصادي وانتقاد سلوك حكومات الرئيس الشهيد وتحميله وزر الدين العام، يؤكد عطالله أنه "كان هناك محاولة لتكوين وجهة نظر متكاملة اذ لم يكن هناك مشروع اقتصادي محدد. في ظل توزع مراكزالقرار كان على المرء معرفة الواقع السياسي ليحكم على الواقع الاقتصادي، مثل الهدر والاسراف وهذا الامر يحتاج الى معرفة اساسية ومكوناته موجودة عند كل الأطراف التي تعاطت مع موضوع مشروع اعادة الاعمار".

ويسلط عطاالله الضوء على العلاقة بالرئيس الشهيد بالقول: "ما جمعنا معه المشروع الاستقلالي لقد قرأنا نحن في مشروع اعادة بناء بيروت واعمارها محاولة لايجاد لبنان على خارطة الدول، اضافة إلى حجم الوجود الديبلوماسي والسياسي الذي أوجد حساسية كبيرة من هذا النموذج اللبناني عند النظام السوري، الذي كان يفضل ان يبقى لبنان ريفا،ً لأن كل هذه المظاهر العمرانية لها تداعيات سياسية قرأناها. محصلة السياسة الاقتصادية والخارجية للرئيس الحريري فرضت حضور الدولة اللبنانية وهذا الحضور تصادم مع ما رسم لهذا البلد من أن يكون المدى الحيوي للنظام السوري، اي حديقة خلفية، وهذا ما دعانا الى اعلان التعاون ودخلنا في علاقة طويلة، ما قبل استشهاد رفيق الحريري واستمرت في انتفاضة الاستقلال ما بعد استشهاده".

ويشدد على ان "الكيدية التي تم التعاطي فيها مع الحريري كانت تهديدا لنا، لان محاولة تحجيم دور رفيق الحريري برزت أكثر عندما خرج من الحكومة، اذ كان هناك تكامل بين السياسة السورية ولحود والأجهزة، فتمكنوا من اخراجه من الحكومة بعد ارغامه على تشكيل حكومات غير ممسوكة من قبله، ولكن قدراته استطاعت تسيير هذه الحكومات". ويخلص الى اننا "كنا على تباين مع الحريري وقلنا علناً هناك تباينات في القضايا الاصلاحية والأطراف القائمة حالياً في قوى 14 آذار والتي كانت قائمة سابقاً تختلف وجهات نظرها في امور عدة لكن هذه الامور لا تعوق الاتفاق على حد ادنى على برنامج استقلالي".

ويوضح عطاالله انه في مسار التحالف في 14 آذار "كان هناك خلافات وتباينات كثيرة مع 14 آذار، منها اننا رفضنا انهاء الانتفاضة في ساحة الحرية في هذه الحدود وطالبنا بتحرير كل مؤسسات الدولة بواسطة الضغوط الديموقراطية، ورفضنا كيسار ديموقراطي وقف الانتفاضة وقلنا ان هذه تصف ثورة ولا يجوز ذلك وثانياً اختلفنا مع 14 آذار على الحلف الرباعي وموجباته وقانون الانتخاب وصوتنا ضده، وخلال الاجتماعات لم نتمكن طبعا من تغيير الواقع لكن ذلك تم تسجليه في الصحف، بعد الانتخابات النيابية رفضنا الالتزام برئيس المجلس وبنوعية تشكيل الحكومة وقتها حصرت المواقع الشيعية بـ "حزب الله" و"امل" واختلفنا كذلك على موضوع الحوار اذ اعتبرناه اختصاراً للمؤسسات، واختلفنا على موضوع اتفاق الدوحة 2007، كما رأينا انه من غير المعقول نتيجة الضغط والاعتداء المسلح ان نوافق على عقد اتفاق الدوحة ولم نعطِ الحكومة التي تشكلت بعد الدوحة الثقة، كان هناك مجموعة خلافات، وهي كانت موضوعات للحوار، وكنا محقين فيها، ونقول ذلك اليوم لأخذ العبرة لأننا اذا لم نتعلم من التاريخ نعود نكرره وهذا ما نخشاه".

حاوي

خالف الشهيد جورج حاوي، ومنذ التسعينيات، المجموعات المتسرّعة في الحكم السلبيّ على الرئيس الحريري ضمن البيئة اليسارية، ولم يأت موقفه بناء على مزاج شخصيّ فقط، ولا على "واقعية سياسية" طارئة، انما استند إلى موقف نظريّ. فحاوي تمسّك بأهداب التحليل الماركسيّ غير الدوغمائيّ الذي ينظر الى الواقع الاقتصادي الاجتماعي على أنه ينقسم أساساً إلى طبقات إجتماعياً، لكنه يرفض اختزال هذه الطبقات في أشخاص، هذا الإختزال الذي تستند إليه وفقاً لهذه الرؤية كامل العدّة الكيدية الحقدية المرتبطة بأمثال نجاح واكيم وجورج قرم، والتي انجرت اليها قيادة "الحزب الشيوعي" في مرحلة خالد حدادة وماري الدبس.

وإذا كان خطاب الكيد والنكد والحقد شخّص "الحريرية" على أنّها "مشروع متكامل" وشكل من أشكال "المؤامرة" التي ينفّذها "الرأسمال المالي النيوليبرالي المتوحّش الرجعي الطفيليّ"، فإن حاوي سخر باكراً من هذا الكلام، واعتبر أنّه لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية من دون تحريك للإقتصاد، وإن تميّز أيضاً عن الحريرية من ناحية أنّه لا بدّ أن يستند مشروع إعادة الإعمار منذ الأساس إلى عقد اجتماعيّ بما يحمي الإعمار نفسه من الدعاية الشعبوية التي يقودها النظام الأمني.

كما أنّ الشهيد جورج حاوي الذي بادر مباشرة بعد انتهاء الحرب إلى المصالحة الوطنية، تحديداً مع "القوات اللبنانية" و"الكتائب"، وكان صاحب مدرسة استثنائية في "النقد الذاتي" لتجربته خلال الحرب، لم يكن عجباً أن يتقاطع تفكيره وخطابه مع مسيرة الرئيس الحريريّ، التي شجّعت مصالحات وطنية عدّة بعد الحرب، والتي انطلقت من أساسية العامل الإقتصادي في إعادة الوصل بين اللبنانيين، ونظرت إلى مشروع إعادة الإعمار على أنّه البنية التحتية لاستعادة وجه لبنان ودوره ثم سيادته واستقلاله.

وإذا كان الشهيد حاوي أظهر عن ايجابية وحسن نية تجاه الرئيس إميل لحّود لحظة انتخابه، متأثّراً ببنوة الأخير للجنرال جميل لحّود المشتهر بقربه من اليسار اللبنانيّ، إلا أنّ هذه الإيجابية انقلبت نقيضها بسرعة، فكان حاوي أوّل من تصدّى لإميل لحّود باعتباره "الرأس المعطّل للحوار في هذا البلد"، كما كان لاحقاً، المحرّض الأساسي على وجوب ألا تتوقف انتفاضة 14 آذار 2005 قبل أن تندفع الجماهير المليونية باتجاه قصر بعبدا، لإسقاط التمديد اللاشرعيّ، واللادستوريّ، واللاشعبيّ.

كما كان حاوي من الشخصيات السياسية التي لم تكن تغيب عن ساحة الحرية أيام الاعتصام المفتوح اثر اغتيال الرئيس الحريري حتى اسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي في البرلمان ديموقراطياً، كما كان يدين ومن مكان حصول الجريمة، حوادث التفجير المتنقلة آنذاك، ولم يتأخّر في تلك المرحلة، وضمن مقابلة تلفزيونية من الردّ على أخصام السيادة في قيادة الحزب الشيوعي وخلع عليهم لقب "بعض الأقزام في الحزب الشيوعي اللبناني".

وهكذا، لم يكن من العجب أن يحتل حاوي مكانة بارزة في القائمة السوداء للجهاز الأمني السوري – اللبناني، كما قال النائب مروان حمادة لحظة استشهاد "ابو انيس" في 21 حزيران 2005، وقد جاء هذا الاغتيال بعد 19 يوماً من استشهاد سمير قصير، ليحسم أموراً كثيرة. حسم المتردّدون خيارهم بعد هذين الاغتيالين، فإمّا أن تكون مع قاتل سمير قصير وجورج حاوي، وإما أن تكون في خط الشهداء جميعاً وضدّ القتلة. ليس هناك من خيار ثالث. وكل من يدّعي الخيار الثالث هو في الحقيقة يستحي من تورّطه في الترويج لأطروحات القاتل.

"الإنقاذ الشيوعي"

وفي مواصلة للخطّ الذي مثّله الشهيد حاوي، كانت حركة الإنقاذ في الحزب الشيوعيّ وقيادتها المؤقتة المشكلة في 13 أيار 2007، وقد أوضح القيادي فيها محمد علي مقلّد ان الهدف "العمل لتطوير برنامج الشيوعيين وامكاناتهم ليكونوا طرفاً فاعلاً في معركة الحرية والاستقلال والسيادة ومبادرين في معركة بناء الوطن والدولة" مشيراً الى أهمية "مسألة إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي لما يشكل ذلك من تحصين للسيادة والاستقلال".

وكانت المواقف المندمجة تماماً مع النظام السوريّ لقيادة الحزب الشيوعي وأمينه العام خالد حدادة، الذي لم يكن يوماً يحلم بالوصول إلى هكذا منصب، إلى حد إصابته بالاغماء حين انتخابه. وبعد اغتيال حاوي، لم يجد حدادة ما يفعله غير زيارة الرئيس السوري بشار الأسد، تماماً مثلما ان حدادة كان يحضّر وجماعته الى فصل الزعيم التاريخي للحزب الشيوعي جورج حاوي قبل ثلاثة أيام من استشهاد الأخير، ومعلوم أنّ الأخير كان نقل الحزب الشيوعي من مجموعة صغيرة دوغمائية بالية في أواخر الستينيات إلى حزب جماهيري في صلب الحياة السياسية في بداية السبعينيات، إلا أنّ حدادة وتيّاره فضّلوا العودة إلى خيار المجموعة الصغيرة على هامش السياسة، والمرتبطة تماماً بالنظام السوري و"حزب الله".

ويوضح مقلّد في حديث الى "المستقبل" انه "في السابق كانت لدي وجهة نظر قلتها للرئيس الشهيد عام 1994، وهي ان مشكلتنا في لبنان ليست مشكلة القومية العربية ولا العلاقات المميزة بسوريا ولا حتى مشكلة الاحتلال الإسرائيلي، هذه مشكلات كبيرة بالطبع، ولكن المشكلة الأساسية هي هل "تبني دولة القانون بديلاً من الدويلات القائمة في بلادنا بديلاً من الطائفية أو بديلاً من النظام الأمني اللبناني ـ السوري؟".

ويلفت الى وجود "اليسار الديموقراطي" الذي "تعاون مع الرئيس الشهيد في وقت لاحق وكانت بداية علاقته بالحريري علاقة "جفاء" فكل العناصر الذين انتموا الى "اليسار الديموقراطي"، بما في ذلك الشهيد سمير قصير والكاتب الياس خوري والياس عطاالله أيضاً، كانت علاقتهم غير ودودة من 92 و93 و94 حتى 1998 ثم تحسنت العلاقة وصارت جيدة بعد اغتيال الرئيس الحريري لأن اليسار الديموقراطي كان يمتلك موقفاً حاداً من سوريا، وعندما وضعت الأحداث المتلاحقة الرئيس الشهيد ضد سوريا عملياً وحدد موقعه في المعارضة، وكان يتابع عبر شخصيات ممثلة له في اجتماعات المعارضة عندما اختلف مع السوريين على موضوع التجديد للحود، عندها حصل تقارب ما".

ويوضح أن "اغتيال الرئيس الحريري كان أحد أسباب قيام حركة الإنقاذ في الشيوعي والسبب أننا كنا في قلب الحزب الشيوعي نعترض على سلوك الحزب حيال التطورات الكبرى التي طرأت من اغتيال الحريري الى اغتيال قصير وحاوي وبعدها شكّلنا حركة الإنقاذ".
واليسار السياديّ، يضمّ إلى جانب "حركة اليسار الديموقراطي" و"الحزب الشيوعي اللبناني – هيئة الانقاذ" كلاً من "جمعية أصدقاء جورج حاوي" و"الحركة اليسارية اللبنانية"، الا ان عارفين بالشأن يؤكّدون أنّ اليساريين السياديين "المنظّمين" في هذه الحركات يضاف اليهم عدد كبير من اليساريين السياديين غير المنظّمين.

اليسار السياديّ هو إذاً يسار تعدّدي متنوّع الأطر والمستويات. إنّه يسار لم يكن بمقدوره الإقتراب من الظاهرة الحريرية، إلا من خلال مراجعة كثير من الأفكار المسبقة التي تفرزها "الأيديولوجيا اليسارية" في العادة، مع الإستعانة في الوقت نفسه بما كان يؤكد عليه كارل ماركس من وجوب إعمال "التحليل الملموس للواقع الملموس" ومن أهمية ارتباط اليساريين بمجموع الحركة الديموقراطية في بلدانهم، وليس أبداً ارتباطهم بأنظمة الإستبداد والشبكات التابعة لها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل