لا تجيز الأصول القضائية ومعاييرها المعترف بها دولياً استخلاص النتائج المسبقة وإطلاقها قبل تثبيت الاتهامات وصدور الاحكام لأن المتهم يبقى بريئاً حتى ادانته. ولكن هذه القاعدة القضائية الذهبية لا تعني التقليل من الاهمية الاستثنائية للحدث المتصل بتثبيت التحقيق الدولي، للمرة الأولى، الربط بين اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومحاولات اغتيال كل من الوزيرين السابقين الياس المر ومروان حماده والزميلة مي شدياق.
ومن دون استباق المضاعفات السياسية الداخلية المرتقبة لهذا التطوّر، يكفي التركيز على دلالاته القضائية الصرفة لتبين الأبعاد والانعكاسات الشديدة الاهمية التي يكتسبها.
فهي المرة الاولى قطعا التي يثبت فيها التحقيق مبدأ ترابط جرائم الاغتيالات ومحاولات الاغتيال وتلازمها وفق ما ورد في القرار الدولي 1757 والذي جرى على اساسه توسيع صلاحيات المحكمة الدولية لتشمل المروحة الواسعة للجرائم المرتكبة بين تشرين الاول 2004 و13 كانون الاول 2005 تاريخ اغتيال الشهيد جبران تويني. ويستتبع هذا الربط تاليا، بالبعد القضائي اولا وليس بسواه ابدا، اسقاط اي تحريف لحقيقة تاريخية هي ان مجموع الجرائم المنظمة في تلك الحقبة وما تلاها من الاغتيالات التي لم يشملها بعد التحقيق الدولي شكلت فصول حرب اجرامية موصوفة لاهداف سياسية موصوفة ولو ان الاتهام لا يطاول الا الأفراد.
البعد الثاني الذي لا يقل اهمية يتمثل في ان الموجة الاولى من قرائن الربط وادلته في التحقيق. ولو انها سرية، ترسم خطا بيانيا تصاعديا امكن عبره ضم اربعة ملفات متلازمة حتى الآن مما يستتبع فرضية تلقائية وبديهية وهي تسليط الضوء على ملفات اغتيال الشهداء جورج حاوي وسمير قصير وجبران تويني التي تشملها اولا صلاحية التحقيق الدولي والمحكمة الخاصة بلبنان، كما انها تقع تحت العامل الزمني للجرم اذ حصلت جميعها في فترات متزامنة قصيرة جدا خلال عام 2005.
اما البعد الثالث فيسلط الضوء على الجرائم المتعاقبة الاخرى التي حصلت بين عامي 2006 و2008 خارج التفويض الممنوح للتحقيق والمحكمة الدوليين. وهي مروحة موازية للجرائم السبع الاولى. هذه الملفات التي تطاول اغتيال الشهداء بيار الجميل وانطوان غانم ووليد عيدو ووسام عيد وفرنسوا الحاج في مقلبها الزمني والاجرامي المتعاقب، الى جانب التفجيرات التي اودت بعشرات الشهداء الآخرين اسوة بالموجة الاولى تشكل الامتداد البديهي المبدئي والنظري والفعلي لصلاحيات المحكمة متى امكن التوصل الى قرائن اضافية تثبت هذا الربط الجهنمي.
في المنطق القضائي الصرف دائما، يبقى افتراض انكشاف حقائق غير متوقعة وغير معلبة مسبقا واجبا حتميا ومنطقيا، تماما كقرينة البراءة حتى اثبات الادانة. ولكن مع موجة الربط الاولى هذه سيغدو التشكيك في ابشع الخلاصات المسلم بها لحرب الاغتيالات اشبه بالاستحالة حتى ثبوت العكس.