خرج العدو المحتل من لبنان تاركاً وراءه حقول ألغام زرعها في أرض الجنوب الغالي كما خرج الشقيق "الوصي" تاركاً وراءه ألغاماً بشرية زرعها على مدى 30 عاماً على كامل الأراضي اللبنانية، بعضها ظاهر وبعضها الآخر "نائم"، يتم استعمالها عند الحاجة كما ظهر أخيراً عند تشكيل حكومة الرئيس ميقاتي.
الألغام الإسرائيلية تؤذي وتقتل مَن يطأ عليها وهي موجودة في مناطق جغرافية محددة وهي قابلة للتفكك، في حين ان الألغام البشرية هي من النوع الخبيث المتحرك المتلوّن، المناور وهي منتشرة في كل أنحاء الجغرافيا اللبنانية وفي كامل المجتمع اللبناني.
لن نغفل أنّ العدو زرع ويزرع أيضاً عملاء في المجتمع اللبناني، وهؤلاء، حينما يكتشف أمرهم، يُحاكَمون بالعمالة وبالخيانة، في حين أن الألغام البشرية الشقيقة (سورية الهوى أو الصناعة) تقف بكل قامتها رافعة الصوت لتُنظّر على الشعب اللبناني بالوطنية والعروبة والاستقامة والممانعة، ناعتة أخصامها بالعمالة..
أتت الأحداث الدموية في سوريا لتثبت لنا أنّ هذه الألغام البشرية العائدة أبوّتها للنظام السوري دقّت ساعة استعمالها بكامل قوّتها، فاندفعت لتبرّر الإجرام والقتل والقمع عبر حجج وتحليلات من النوع السيئ وغير المقنع إطلاقاً. إنّها مثال على رداءة طبقة سياسية لبنانية تحوي أشخاصاً من كل الطوائف والمذاهب والمناطق والطبقات الاجتماعية. إنهم عبيد أو أزلام أو أولاد النظام السوري الذين تسابقوا ويتسابقون في إرضائه ونصرته. تراهم ملكيين أكثر من الملك، تشعر أنّهم دمويون أكثر من السفاح…!!
ولكن إن قال قائل إنّ الأولاد اللبنانيين لهذا النظام يعملون وفق مبدأ أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، نُجيب بأنّ قبائل وعشائر العرب العريقة درجت على عدم نصرة أبنائها إن هم ارتكبوا ما تخجل به القبيلة أو العشيرة، بل على العكس فإنّ العشائر تجتمع وتتبرّأ ممن ألحق العار بها! وهل من عار وجريمة أكبر من قتل الأطفال والنساء والشيوخ والشباب العزّل؟؟ قتلهم وترويعهم وذبحهم في المستشفيات وتعطيشهم في المدن بعد إذلالهم على مدى 40 عاماً، وبعد المتاجرة باسمهم وبعروبتهم وبإسلامهم مع العدو على مدى عقود من الزمن!
نعم، أولاد وأزلام وشبّيحة هذا النظام في لبنان سيصبحون قريباً الأيتام اللبنانيين لهذا النظام وربما نرى قريباً مَن يسعى منهم إلى تهيئة ابتعاده عن السفينة الآيلة إلى الغرق. أرجو ألاّ يُمنح هؤلاء، تحت أي ظرف من الظروف، أسباباً تخفيفية عن فعلتهم لأنهم بحكم الشريك أو المتدخّل في جرائم قتل وترويع الشعب السوري الشقيق الأعزل.
هؤلاء الأيتام كُثر، منهم مَن هو بمراتب رئاسية أو وزارية أو نيابية ومنهم مَن هو رجل دين مسلم أو مسيحي أو إعلامي أو ضابط عالي الرتبة أو قاضٍ أو موظف رفيع أو إلخ..
إنهم فئة لم تُجبر على الاستزلام ومناصرة الإجرام بل ذهبت بمحض إرادتها، مختارة! وهي هرباً من هزيمتها ستحاول دفع لبنان وكل اللبنانيين إلى الهاوية مفتعلة الحرائق. فهل سيتصدّى رئيس الجمهورية، الذي أقسم على دستور الأمّة اللبنانية، ويأمر الجيش اللبناني الذي يرفع شعار شرف، تضحية ووفاء للتصدّي فعلياً لعبث وضرر ألغام النظام السوري على لبناننا الحبيب؟؟ أم أنّه "سينأى بنفسه"…؟؟
لا يجب أن يُفهَم ندائي على أنه استباق لفرحة أو نصر، بل هو نداء المتخوّف المحذّر من خطر كبس زرّ هذه الألغام و"تفجيرها" عبثياً في الجسم اللبناني قبل أن تنتهي صلاحيتها!