كتب عفيف دياب في صحيفة "الأخبار":
يجلس النائب نقولا فتوش محاصراً من قادة محليين في التيار الوطني الحر في زحلة. الرجل فقد الكثير من وزنه بعدما أرهقته السمنة والبدانة الزائدة. أصبح فتوش اليوم حليفاً للعونيين في زحلة ولبنان. لم يكن وزير الدولة لشؤون مجلس النواب شخصاً محبوباً عند جمهور البرتقاليين، منذ دخوله الأول الى البرلمان نائباً معيناً عن مقعد زحلة الكاثوليكي الثاني بعد إقرار اتفاق الطائف. حولت تسوية الطائف الطائفية، التي جاءت على حساب ميشال عون وجمهوره، نقولا فتوش الى رقم صعب في المعادلة الزحلية، بدعم سوري مباشر من دون «لف أو دوران». كان الثابت في السلطة، رغم كل التحولات فيها خلال عهد الوصاية السورية. لم ينكر النائب فتوش وآله في زحلة علاقاتهم الوطيدة بالسلطات السورية، سابقاً وحاضراً. وهم لا يجدون حرجاً في ترجمة قناعاتهم السياسية والاقتصادية في الارتباط الوثيق بالنظام «الشقيق»، بعد اعترافهم بأخطائهم في الاجتهادات التحالفية مع قوى 14 آذار سنة 2005، وما بعدها حتى 2009. صورة «ذو الهمة شاليش» لا تزال معلقة في منزل آل فتوش على بيادر زحلة. تربط بين المرافق الشخصي للرئيس الراحل حافظ الأسد، ومرافق الرئيس بشار الأسد لاحقاً، بنقولا فتوش وأشقائه علاقة ودية مميزة. لم يمنع تحالف فتوش ــــ الحريري ــــ جعجع في عامي 2005 و2009 من إبقاء صورة شاليش معلقة في صدر المنزل. فالعميد السوري ليس إلا صديقاً وفياً لآل فتوش في زحلة، ووجب الرد على الوفاء بمثله. فمن يحب آل فتوش في زحلة يؤكد أن العائلة وفية مع الأوفياء، ولا تتغير سياسياً وفق مصالحها الاقتصادية. أما من يبغضها، فلا يجد في قاموسها السياسي ثوابت والتزامات، إنما المصالح الاقتصادية وحدها التي ترسم خريطة طريقهم السياسية. ويعدد هؤلاء محطات كثيرة تؤكد وجهة نظرهم، كما أصحاب وجهة النظر الأولى الذين يطالبون بشواهد سياسية تخالف اقتناعهم بثوابت فتوش «الذي لا يتغير، وإنما الآخرون يتغيرون ويلحقون به».
وما بين صراع وجهتي النظر، يتصدر المشهد السياسي في زحلة موقف التيار الوطني الحر من الوزير نقولا فتوش. مشهد ليس إلا صورة معاكسة، شكلاً ومضموناً، لما تربى عليه جمهور التيار «التغييري» في زحلة، إذ لم يعرف وجدانه يوما وداً تجاه فتوش. وما كان محرماً وغير شرعي بين عونيي زحلة وفتوش، أصبح اليوم بقدرة قادر «عشقاً» ليس محرماً أو منبوذاً. لقد أفتى بعض قادة التيار المركزيين والمحليين، بشرعية علاقتهم مع فتوش، بعدما كان الاقتراب منه كدخول نار جهنم. كيف لا وهو (بنظر العونيين) رمز الوصاية السورية في زحلة قبل عام 2005، و«كسارة فساد» لا يجوز حتى تناول الطعام على مائدته. وفجأة غاب كل حذر سليم عون من نقولا فتوش. وأصبح الغزل المباح بينهما على ضفاف نهر البردوني بعد رنين كؤوس العرق والويسكي في العشاء السنوي لهيئة قضاء زحلة في التيار، مشهداً جديداً، على العونيين في زحلة والبقاع تقبله وإقناع أنفسهم به قبل إقناع الآخرين من الأصدقاء والأعداء. ولكن، هل القيادة العونية أخبر وأعلم بالمصلحة السياسية العامة للعونيين، وأنه على القاعدة الحزبية والجماهيرية الصمت وأن تقبل الحلف الجديد مع فتوش؟!
تغزل سليم عون بنقولا فتوش على ضفاف نهر البردوني، وكشفه أمام البرتقاليين أن فتوش كان معهم يوم 7 آب ووقف منتقداً النظام الأمني اللبناني ــــ السوري لاعتقاله «الشباب» في بيروت وزحلة. لم ينل رضى «الشباب» الذين اصفرّت وجوههم حين نطق النائب السابق عون بهذه «الواقعة» التي لم يسمعوا بها قبلاً. فالنقاش الذي دار كما الكؤوس بعد كلمة سليم عون و«الغزل المباح» بفتوش، وصلت أصداؤه إلى مختلف شرائح التيار الوطني في زحلة والبقاع، وربما إلى الرابية التي عليها أن تبذل جهداً مضاعفاً لتقديم قراءة مقنعة لسر هذا التحالف الطارئ مع فتوش في زحلة، وكيف أصبح بين ليلة وضحاها حليفاً «موثوقاً». ويسأل عونيون كثر في زحلة: «ما هي المعايير السياسية لهذه العلاقة وأين تبدأ وتنتهي؟ ومن أسس ونظّر لها أصلاً وفصلاً؟ وهل تشكل العلاقة قيمة مضافة للتيار في زحلة والبقاع، أم أن جمهور التيار الوطني سيكون تعويضاً لفتوش بعد خسارته جمهوري القوات اللبنانية وحزب الكتائب إثر انقلابه عليهما، بعدما حرمه سعد الحريري من حقيبة وزارية؟ وهل من ضمانات سياسية قدمها فتوش لنا وللحلفاء بأنه لن يعود الى الفريق الآخر إذا تغيرت الظروف وانقلبت موازين القوى محلياً وإقليمياً؟ وهل مصالحنا السياسية العليا والاستراتيجية لها قواسم مشتركة معه؟ وما هي هذه القواسم: انتخابية أم سياسية أم اقتصادية؟».
مروحة واسعة من الأسئلة ينتظر عونيو زحلة والبقاع الأوسط إجابات مقنعة وواضحة دون التباس يذكر من قادتهم. وهم لا يجدون بداً من توجيه هذه الأسئلة مباشرة الى النائب ميشال عون للإجابة عنها، ووضع نقاط التيار السياسية على حروف فتوش المحلية. ويسأل أحد كوادر التيار في زحلة: «هل فعلاً الجنرال ميشال عون على اقتناع تام بهذه العلاقة مع فتوش، أم أن ما يجري في زحلة اجتهادات سياسية محلية لظرف آني»؟ يضيف: «إذا كان الجنرال مقتنعاً ببدء نسج علاقة تحالفية مع فتوش، فنحن سنلتزم ولن نناقش الأمر نهائياً». يتابع الشاب العوني النشط في عمله الحزبي: «سهرة العشاء السنوي لهيئة قضاء زحلة لم يكن خطابها السياسي مقنعاً لنا، فمن حقنا توجيه الأسئلة حتى لا تبقى العلاقة مع نقولا فتوش عشاءً سرياً لا نعرف نكهة أطباقه».