الحديث عن"مهلة اسبوعين"، التي اشار اليها رجب طيب اردوغان بعد محادثات احمد داود اوغلو في دمشق، يشبه الحديث المنسوب الى الرئيس بشار الأسد عندما قال لضيفه: "أنا… او الفوضى".
قياساً بتدرج المواقف الدولية المترددة والانشائية حيال دورة العنف والدم في سوريا، يمكن القول الآن إن "مهلة اردوغان" قد تمتد من 15 يوماً الى15 شهراً، فلا تركيا ولا حتى الولايات المتحدة الاميركية والدول الاوروبية تملك تصوراً واضحاً لمرحلة ما بعد بشار الأسد، في حين يشي الواقع بأن سقوط النظام في سوريا انما يعني بداية حتمية لسقوط الاستراتيجية الاقليمية التي تقوم الآن على ما يسمى" تحالف الاقليات"، والبعض يسميه "الهلال الشيعي" الممتد من مدينة مشهد في شمال شرق ايران الى صور في جنوب لبنان مروراً بالعراق وسوريا.
واضح ان افكار كاتب مثل روبرت كوبلان لا تزال تؤثر في القرار الاميركي الحذر والمتناقض حيال اتساع دائرة القتل والعنف. فقد كتب في"فورين بوليسي": "بعد الاسد ربما يحصل الطوفان"، بمعنى ان الدولة السورية لم تكن متماسكة قط بغير السلطة الحديد. فبين عامي 1947 و1954 جرت ثلاثة انتخابات فشلت كل الحكومات التي انبثقت منها. وحتى عام 1970 تشكلت 24 حكومة فاشلة ايضاً "لأسباب تتصل بعدم وجود هوية وطنية جامعة لطوائف البلد واتنياته". ويجادل كوبلان بالقول "إن الحرب في العراق ضخّت الملايين من اللاجئين، واذا انزلقت سوريا الى الفوض، فإن تأثير" يوغوسلافيا الشامية" سيكون اكبر بكثير".
عندما تتأمل واشنطن في هذا وتراقب بحيرة عدم بروز قيادة جامعة للمعارضة السورية، ثم عندما تتذكر ان الفوضى النارية قد تفيض الى خارج الحدود السورية، لأن ايران لن تترك النظام السوري الذي يشكل مفصلاً حيوياً لتوسعها في المنطقة، ينهار لتقع في العزلة وتفقد ثلاثين عاماً من السعي لامتلاك دور اقليمي، فإن واشنطن تفضل الانتظار والمراوحة عند مواقفها المتناقضة، تاركة لحليفها التركي ان يلوح بالثبور وعظائم الامور، ربما لانها تدرك ان تغييرالنظام يعني تغيير الواقع الاستراتيجي في منطقة الشرق الاوسط، وهذه مسألة حساسة قد تنعكس على الوضع في العراق ولبنان والاردن والساحة الفلسطينية، وكذلك على تركيا التي تملك حدوداً مع سوريا بطول 800 كلم، كما يكرر اردوغان، الذي يملك ضمناً هواجس كردية وعلوية… وسنيّة ايضاً.
ولكن الى متى يمكن ان تستمر دورة العنف والقتل وقد تجذّرت الكراهيات والاحقاد وراحت توقظ شياطين الفتنة المذهبية، وخصوصاً بعد اقتحام مدينة حماه بالدبابات؟ وهل ثمة من يصدق لوهلة ان البطش يمكن فعلاً ان ينهي الأزمة وقد دخلت شهرها السادس؟… لا داعي للبحث عن اجوبة بل ربما للتأمل في مغزى دعوة الملك عبدالله بشار الاسد الى الحكمة… او الفوضى!
