حيث ينتهي القانون (والحق) يبدأ الطغيان. وحيث تنتهي الحرية يبدأ القتل. وحيث تنتهي المحاسبة يبدأ الظلم. وحيث تنتهي السياسة تبدأ الفوضى. هذا ما خبرناه وعلمناه على امتداد عقود من حروب الطغاة العرب (سقط بعضهم والحمدالله، والآخرون على الحافة!) علينا، إضافة إلى حلفائهم الأميركيين وبني صهيون وبعض الأوروبيين. اليوم، في سوريا واليمن وليبيا، وأمس في مصر وتونس، اندلعت الثورات العربية من نقطة أساسية: ابتدأت من حيث يجب أن ينتهي الطغاة، وتعمم العدالة. ابتدأت من حيث يجب أن ينتهي الطغاة وتحلّ الحرية. ابتدأت من حيث يجب أن تنتهي الأنظمة الاستبدادية وتقوم الدولة. ابتدأت من حيث يجب أن ينتهي احتقار الدكتاتوريين لناسهم، ويبدأ: من الكرامة، والعزة. ابتدأت من حيث يجب أن ينتهي القائد "النبي" أو "الإله" ويبدأ زمن الحقوق المدنية.. ابتدأت من حيث يجب ان ينتهي التوريث العائلي والمذهبي الثوري وتبدأ إرادة الناس والمجتمع.
هذا ما استخلصنا بعضه في سياق الثورات العربية التي تنتشر كالهشيم في ميادين سوريا وليبيا واليمن وشوارعها وأريافها ومدنها وحتى الآن لم تتراجع هذه الأنظمة الضالة عن منطقها القديم الذي تثبته بالقتل والاغتيال والمجازر الجماعية والقبور الجماعية وقصف العزل والمنازل والمستشفيات والأطفال بالمدافع والدبابات… وكذلك لم يتراجع الثوار عما بدأوه من عناوين تطالب بإسقاط هذه الأنظمة واستعادة الأوطان المسلوبة من هذه السلالات واسترجاع حق الشعوب في إدارة مصائرها.
كأنها نقطة اللاعودة. نعم! وإلى حد كبير. لكنها في الوقت نفسه محاولة لاستمرار هذه الأنظمة بطغيانها، ومحاولة الثوار بمنع استمرارها. وكأنهما أَوْجان يتصادمان: أَوْجُ العنف ومنطق عليَّ وعلى أوطاني، وأوْجُ التحركات السلمية التي تحمي الأوطان من شر هؤلاء. والأَوْجان يصطدمان ولا يلتقيان. يتواجهان ولا يجتمعان. وكلّما صمدَ الناس وتصدت بأجسامها ولحمها الحي وصدورها لآلة هؤلاء الجهنمية من الشبيحة والجيوش والأمن والمرتزقة ازداد إهراق الدماء لتجري انهراً وتكدست الجثث وتضاعف الشهداء. الأنظمة المتداعية كمن استطاب لحس المبرد.. حتى جفت دماؤه الباردة. انهما الأَوْجان اللذان لا يُعَبِّران فقط عن صراع بين سلطات غاشمة وفاسدة وثوار يريدون تغيير النظام. وانما يُعَبِّران أيضاً عن عالمين متصادمين ومتناقضين: عالم قديم بائد ودارس وبالٍ ومهترئ يمثل كل القيم الشمولية والاستبدادية والعنفية والقمعية، وعالم جديد نضر، خصب، مفتوح يلبي التحولات الاجتماعية والسياسية، والقيم الإنسانية والديموقراطية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والتعددية والذهنية المدنية.
بمعنى آخر كل ثورة تبدأ من حيث ينتهي النظام القديم. وهذه المبادأة الحادة تشطر عالمين كانا مشطورين أصلاً ضمناً، وإضماراً أو صمتاً أو انتظاراً في السفليات الاجتماعية أو حتى على المستويات الثقافية والسياسية المكتومة. أي نظام طافٍ على السطح بقوة السطوة والبطش والتفرد والسلاح أو ثورة كامنة تظهرعلاماتها احياناً هنا وهناك. كما البرق تنذر بالمطر. ومن الصعب توقع بداية مخاض انفصال العالمين بشكل وافٍ، أو بداية خروج تلك المتراكمات من المعاناة والمراجعات والمكبوتات، إلى حيّز الفعل الثوري المباشر، أحياناً تستمر عشرات السنوات وأحياناً أكثر: زمن الوصايات في لبنان وعلى رأسه الوصاية السورية، استمر أكثر من نصف قرن من الجنون والفرض والاستباحة والإذلال والنهب والتعرض للكرامات الإنسانية وضرب كل احتمال لتوفير ظروف التئام عناصر المواجهة. لكن لا ننسى أن في الفترة برزت ظواهر من التمرد والصمود والمواجهة، عند هذا الطرف اللبناني أو ذاك. لكن لم تتوفر ان تنمو وتستجمع ظروفها الداخلية والخارجية، الذاتية والموضوعية لتحول لحظة المواجهة المتفعلة إلى زمن مُعمّم، أي إلى ثورة تستنهض المجموعات البشرية، وتحرك المكنونات، وتشحذ الضمائر لاعلان نفسها، قوة قادرة على تحقيق التغيير. ونظن أن الظروف الخارجية، على امتداد كل هذه السنوات لم تكن ملائمة: فالعالم كله كان موجوداً إلى جانب هذه الوصايات بمن فيه اسرائيل وأميركا وفرنسا وأوروبا وتحديداً أميركا. كانت القضية الفلسطينية هي المحور وكانت أدواتها الأمنية والعسكرية وشعاراتها التحريرية، عنصراً فاعلاً في إدامة وجود كل تلك الوصايات الخارجية التي انقسمت بين مؤيد وبين محارب لها. وقد وقع اللبنانيون في هذه المعمعة، وكانوا الأدوات المنفّذة والواجهات، اكثر مما كانوا الطرف المستقل. وساعد تورط الطوائف في انقسامات الوصايات على تغييب ما يسمي السيادة والاستقلال والحريات والديموقراطية، فهذه أمور كانت من "ترفٍ" ليس في محله؛ حتى "الهوية" اللبنانية بمعناها الوطني والجغرافي والتاريخي والاجتماعي كانت ممنوعة أو مطموسة أو موظفة لمصلحة هذه الوصاية أو تلك. وعندها بالذات كان التقسيم إما من أولويات بعض الأطراف، أو مجرد سلاح للدفاع أو للهجوم أو لمزيد من الانطماس. وماذا يعني التقسيم سوى انشطار الكل في الأجزاء؟ وعلى هذا الأساس اختلفت المقاييس أو غُيبت، أو استبدلت "بمواصفات" ونعوت متقلبة تقلب الأوضاع بل وتغير مفهوم "المواطنية" و"الانتماء" تبعاً لمتطلبات الظروف، فما كان انتماءً وطنياً أمس صار خيانة والعكس صحيح. وأسس التعاطي السياسية تحولت إلى صراع قوة، وأسس التعاطي الإعلامي تحولت إلى صراع أجهزة أمنية واسس "القائد" أو "الرئيس" اكسبت معاني القوة و"النبوة" والخلود والمطلق والأحادية و"التقديس" بحيث اجتمعت هذه كلها لتصوغ البنى التي يقوم عليه الطغيان. وعندما تنتصر مثل هذه البنى. فيعني ان التعايش بين "الطغيان" وبين أدنى انواع الديموقراطية والحرية والتعددية غير ممكن. وهذا ما فعله "قادة" التواريخ العظمى عندنا، جَوَّفوا المجتمعات من كل الأدوات التي يتكون منها المجتمع المدني كحرية التعبير وتنوع الأحزاب وفصل السلطات ومأسسة الأفكار وهذا بالذات ما أدى إلى انهيار الدولة العربية بحيث التبست هذه بالنظام والسلطة والقوى العسكرية والقضائية: صارت الدولة مجرد عنوان أو واجهة للادولة. أو ليست هذا ما يفسّر إمساك الطاغية بكل القرارات والدساتير والأحكام والسلطات: والدولة لا تكون دولة بتداخل كل مكوناتها ولا بتلاغي مفاعيلها ولا في وقوعها كلها بقبضة واحدة. ونظن أن اللادولة العربية هي "اللاتاريخ" بل هي تعبير عن انتفاء الحقائق الانسانية والسياسية بما فيه الشعب نفسه، بمكوناته ووظائفه وادواره وضروراته وحاجاته. فدولة الطغاة دولة "بلا شعب" و"شعب بلا دولة" وقلّما التقت دولة الطغاة وشعبها الا في حالات استثنائية كالحروب… وما شابه. وهذا يعني تفكك أواصر الدولة، وتبعثرها وتضادها وصراعاتها الأمنية والسلطوية، يقابلها شعار"وحدة وطنية" مبهمة يضعها النظام باعتبارها كتلة لا تاريخية، جامدة، معطلة ساكنة بلا تجاذب ولا حيوية ولا رأي، ولا اختلاف: دولة القطعان تجوز على القطعان وليس على الشعوب. ولهذا قلنا في البداية ان الشعب عندما يتمرد على "قطيعيته" المفروضة يتجاوز حتى "مفهوم" الجماهير إلى مفهوم "الشعب" فالشعب ليس مجموعة جماهير مفرزة بلا تواصل، وبلا تفاعل، وبلا جدالية ، أي الشعب الذي قرر ان يكون أو لا يكون، كدور تغييري ونقدي وريادي. أي عودة إلى أصوله بعد كثير من الثورات لا سيما الثورة الفرنسية وقبلها الأميركية والانكليزية. وعندما قام الشعب العربي، بعد اقتطاعه عن التاريخ وحتى الجغرافيا أكثر من ستة عقود بثوراته الراهنة استجمع قسماته كلها، وصاغ تمرده الإنساني اولاً، والديموقراطي أي قرر "دفعة" واحدة، ان يقوم بالخروج الكبير ويتجاوز فروض الطاعة والخنوع والخوف والتردد والحسابات الضيقة: خرج الشعب من نظام الطغاة ولن يعود. وعرف جيداً، من خلال معاناته وتجاربه ومكابداته الطويلة ان نظام الطغاة في مكان وهو في مكان آخر، ولم يعد من سبيل لا للقاء ولا للتعايش ولا حتى لحوار يستخدمه "الحكام" لاستيعاب ثوراته وتفتيت تضامنه واستفراده بشعارات اصلاحية هي مجرد خديعة أو مكيدة أو فخ أو مناورة. لأنهم يعرفون أن هؤلاء الطغاة يرون في الأوطان والدول ممتلكات موروثة خاصة، لا يمكن أن يتنازلوا عن أي جزء منها. فالسلطة هي للعائلة الثورية الواحدة. والأحوال العامة هي للعائلة الثورية الواحدة، والنفظ هو للعائلة الثورية الواحدة. وأن أي محاولة للانتقاص من هذه الحقوق المشروعة والشرعية هو مس بالجوهر. بجوهر النظام والتعرض له ليس أقل من مؤامرة عالمية وكونية وخيانة وجريمة يستحق "مرتكبوها" القتل والسحل والسجن والتعذيب والإبادة والقصف والتمثيل بالجثث والمجازر. إما كل شيء وإما لا شيء. إما عودة الشعب إلى "زرائبه" و"اسطبلاته" تحت ظل دولة الطاغية أو اعتبار هذا الشعب مجموعات مخربة عميلة تحركها أيدٍ خارجية ليس اقلها اسرائيل وأميركا! هذه "الرؤية الابوكاليبتيكية" و"اللوناتيكية" و"الميغالومانية" و"الفصامية" و"الاستئثارية" هي ما تسعى الثورات إلى تدميرها للخروج من زمنها. ويعني الثورة على كل "الايديولوجية" السلطوية للأنظمة. أي مواجهة مكونات اللانظام القديم الذي يوحده العنف. أي مواجهة اللانظام الذي يحاور نفسه. أي مواجهة هذه "الذات المقدسة" المعلنة، التي تنفي كل احتمال مما هو سياسي أو فكري أو اجتماعي أو ثقافي أو "ديني". وهذا ما عبّر عنه الثوار جيداً في تونس عندما رفضوا مصالحة النظام في تونس، وأسقطوا الطاغية زين العابدين بن علي وكذلك في مصر، وايضاً في ليبيا واليمن (قيد السقوط) وصولاً إلى سوريا ويكفي ان نسمع هتافات هؤلاء الابطال في ساحات حماة وحمص ودمشق ودير الزور كمثل "الشعب يريد اسقاط النظام" أو "لا حوار مع السلاح أو المدفع"… تترجم واضحاً ارادة هؤلاء بالتغيير ولا بالاصلاح تحت "قبة" النظام واندفاع مئات الألوف في اليمن وليبيا وسوريا اليوم متظاهرين في مواجهة الدبابات والمدافع والطائرات بصدور عارية (لا سيما في سوريا) هو رسالة واضحة: رفض الأسلوب الذي اتبعه الطغاة للقمع. أي رفض مبدأ العنف اساساً الذي يميز هذه الأنظمة فهم يفضلون الاستشهاد على أن يرفعوا سلاحاً، لكيلا يتحولوا إلى اقرانٍ لهؤلاء. ولهذا يحاول النظام في سوريا مثلاً أن يُصّور وكأن الثوار السلميين يشبهونه: أي يحملون السلاح ويغتالون الناس وفي الواقع ولأن النظام لا يشبه سوى نفسه، فانه يرتكب المجازر ويلصقها بالثوار (بالعصابات المسلحة) بمعنى انه ينفي عن نفسه تهمة "العنف" ليلصقها بأساليب مضحكة على شعبه. كل هذا يدل على أن أي حوار لجمع النظام السوري والثوار بات مهمة مستحيلة (وهذا ما سبق ان كتبناه)، وان التساكن بين الشعب وبين هذه الأنظمة بات مستحيلاً: فالطرفان يرفضان اصلاً أي حل "توفيقي" في العمق : لا النظام الطغياني ليقبل "باجتزاء" حقوقه الموروثة (الالهية) العائلية باعتبار ان الطغيان واحد فوحد ولا الثورة باتت تقبل انصاف الحلول، أو عودة الناس إلى بيوتهم لقاء وعود يعرفونها انها كاذبة.
نعم! الطغاة والثوار وصلوا فعلاً إلى نقطة اللاعودة! ذلك لأن الثوار يعرفون أنهم اذا عادوا إلى منازلهم، فكأنهم عادوا إلى السجون أو إلى المقابر… أو إلى الزرائب! أو إلى الجحيم السابقة.