ترأس البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذبيحة الالهية والصلاة لراحة نفس الراهب المريمي الأب طوني الراعي، ابن شقيقته، أحاط به البطريرك الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير ولفيف من الأساقفة، في كنيسة السيدة في مقر الرئاسة العامة للرهبانية المارونية المريمية في دير سيدة اللويزة – زوق مصبح، في حضور ممثل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي الوزير مروان شربل، ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري النائب نعمة الله أبي نصر وحضر ايضا ممثل رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع أدي أبي اللمع وعدد من الشخصيات.
بعد الانجيل، القى أبو عبده كلمة البطريرك، نيابة عنه، وهي بعنوان "لقد حفظت ايماني وأتممت سعيي وجاهدت الجهاد الحسن" وجاء فيها: "شاءت أمنا الرهبانية المارونية المريمية أن تتوج ورقة نعي ابنها الأب طوني بكلمة بولس الرسول التي كتبها قبيل استشهاده في روميه سنة64 بقطع الرأس. ذلك أنها رأت تطبيقا لهذه الكلمة في حياة الأب طوني وموته المبكر والمفجع. وهو منذ أيام قليلة نشر كتابا بعنوان "يسوع الخلاص". وكأنه أراده وداعا للذين أحبهم وخدمهم من كل قلبه. كما ورد في "الإهداء": إلي أنا خاله في ارتقائي السدة البطريركية وفي يوبيلي الأسقفي الفضي، والى الرهبانية المارونية المريمية وأبنائها الأحباء، والى جامعة سيدة اللويزة، والجامعة اللبنانية الدولية، والى أهالي حملايا وبلدات الجوار: بكفيا، عين الخروبة، السفيلة، المياسة، وادي شاهين، ومار بطرس كريم التين.
وكتب في التمهيد: يسوع الخلاص اي خلاصي انا الخاطئ. صرخة روحية من الذات الى الله، واستنجاد انساني برحمة الخلاص اللامتناهية، تجسدت كلمات، كتبت من معين فكر ثاقب، ومن خبرة حياة واسعة في ظل تردد طويل، وضعف بشري واهن من جراء اوضاع حياتية ماضية، بعضها حقيقية وواقعية، وبعضها الآخر مصطنعة ومفبركة، طالبا شخصيا رحمة المسيح الشافية.(ص 13)
بهذه الكلمات المكتوبة في هذه الايام الاخيرة رسم الاب طوني صورة مصغرة وموجزة عن مسار حياته الغنية بالنشاطات والاختبارات، والمختبرة بكثير من العواصف والرياح المعاكسة، واجهها كلها بالصمت والصلاة والدموع، ثابتا على صخرة الايمان بالمسيح الفادي، مواظبا على واجباته الرهبانية والتزاماته التربوية والراعوية. فيحق له ان يقول مع بولس الرسول: لقد حفظت ايماني واتممت سعيي وجاهدت الجهاد الحسن.
ومن بين كلماته هذه مقصد روحي أخذه في 2 حزيران 2003 عند وفاة امه، شقيقتي العزيزة بديعة، وكتب: ولدت امي في السماء، لكن نفسها بقيت حاضرة في ذهني وتفكيري وحياتي. لقد بدأت اعيش بداية حياتية جديدة، قالبا صفحة ما تبقى من حياتي المقبلة، اكتبها باحداث القداسة المسيحية الحقة. عسى ان لا اخيب امل المسيح بقصدي، وان لا اتعثر بضعف ارادتي، بل ان اصبو الى تكوين ذاتي على مبادئ المسيح وعمق افكاره. شعاري القربان، وقصدي الجديد شعلة القربان الملتهبة بالضوء القرباني القائم في زاوية بيت المسيح يضيئ ليلا ونهارا، رمزا للتواصل والديمومة والاستقرار. اجل ثقتي كبيرة بوجود المسيح الدائم في مسيرة حياتنا اليومية. انه الدليل امامنا كالمنارة على شاطئ الامان. المهم ان لا تجف فينا محبة المسيح.(ص 15)
ويختم الاب طوني كتابه بهذه الكلمات: لن اقول بعد اليوم: تباعد عني يا رب فاني خاطئ، بل اقول: اقترب مني يا رب، اود الخلاص منك لان حياتك في خلاص لنفسي، وخلاصك لحياتي حياة في ديمومة السماء. ان عيني قد رأتا خلاصك. ويبقى لقاؤنا الجديد اكيدا في عالم السماء، انه فرح ابدي مع القديسين الجالسين في حضن مريم البتول الى جانب
إبنها المسيح المخلص في حضرة الأب القدير، ومحبة الروح القدس الصافية (ص 263 و264).
وهكذا في مناسبة إنهماك الاب طوني في تحضير عيد القديس روكز شفيع محبسة دير مار بطرس وبولس في بلدة مار بطرس كريم التين، وتمهيد الأرض المجاورة للمحبسة والكنيسة، وفي نشوة روحية فائقة للاحتفال بالعيد غداة عيد انتقال أمنا مريم العذراء بنفسها وجسدها الى السماء، أي الثلاثاء المقبل في 16 آب، كان الحادث المشؤوم الذي أودى بحياته، لكنه أتى تحقيقا لأمنياته التي كتبها، فإلى مجد اللسماء، أيها العزيز الاب طوني، وانت طالما تقت إليها منذ صباك، وانعم بالرؤية السعيدة. ولئن لم تتمكن من أحياء ليتورجيا الأرض في عيد إنتقال أمنا مريم العذراء وعيد القديس روكز، فلقد أعطاك يسوع الخلاص أن تشارك في ليتورجيا السماء، فاذكرنا وصل من أجلنا لكي نتوق دوما الى الخلاص الآتي من يسوع المسيح وحده.
إن أمنا الرهبانية المارونية المريمية تفقد اليوم إبنا بارا من أبنائها، خدمها والكنيسة منذ رسامته الكهنوتية في 9 حزيران 1980 في كل موضع أرادته فيه، خدمها والكنيسة كاهنا في رعايا كفرقطره وبيت عيد وجوار البواشق، وضبية، وزوق مصبح، وحملايا، وعين الخروبة، ووادي شاهين، ومار بطرس كريم التين. وخدمها والكنيسة أستاذا محاضرا في جامعة سيدة اللويزة والجامعة اللبنانية الدولية، وخدمها والكنيسة مسؤولا عن القسم العربي في إذاعة الفاتيكان، ودارسا متخصصا في الإدارة التربوية وعلم التربية بشهادة دكتوراه في الولايات المتحدة الأميركية، حيث أنشأ للرهبانية مركزا في مدينة آن آربر بولاية ميشيغن، يسكن فيه الآباء الدارسون وينطلقون منه للخدمة الراعوية في رعايا الولاية.
نسأل الله أن يعوض على الرهبانية بدعوات منتقاة ورهبان قديسين. وأشقاؤه الخمسة يفقدون أخاهم الأكبر الذي رافقهم بعناية الأب والأم، وهم أطفال قبل دخوله الرهبانية ملبيا دعوة المسيح المخلص، وما زال يعتني بشؤونهم اليومية، وبخاصة بعد وفاة الوالدين، تشعرون أنه سيترك في بينكم فراغا كبيرا. لكن ثقوا وتعزوا، لقد ولد في السماء كما قال عن أمكم، ومن سمائه يكمل بكمال القدرة الإلهية الإعتناء بكم وبأولادكم.
عدد لا يحصى من الطلاب الجامعيين والأساتذة والأصدقاء من مؤمنين ومؤمنات يبكون الأب طوني المرهف الحس، الصافي العاطفة، الجميل البسمة الصادقة، الغيور في الخدمة، الحاضر الجهوزية لكل عمل، المختمر في خبرات الحياة، حلوها ومرها، القريب من كل إنسان، السخي في تعبه وجنى يديه.
إننا معكم جميعا نقدمه اليوم قربانا منا مرضيا الله، نضمه الى قربان يسوع المسيح الخلاصي، ونقدمه لأمنا مريم العذراء وردة فواحة في عيد انتقالها الى مجد السماء، بهذا القربان النقي وهذه الوردة الفواحة ندشن المدافن الجديدة في ظل أمنا مريم العذراء سيدة اللويزة، فيما عقولنا وقلوبنا وأفكارنا ترتفع الى العلى، الى حيث طالرت روحه الطاهرة لينعم بالمشاهدة السعيدة في مجد السماء.
وإني مع أمنا الرهبانية، رئيسها العام الجديد الأباتي بطرس طربيه والأباء المدبرين وسائر أبنائها، ومع أهلنا في حملايا والمنطقة، أشكر فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي تلطف واتصل بي عند الصباح وأوفد صاحب المعالي العميد مروان شربل وزير الداخلية، الذي يمثل أيضا دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ نجيب ميقاتي، ودولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، الذي تلطف أيضا واتصل بي معزيا ويتمثل بيننا بسعادة النائب نعمة الله أبي نصر، وفخامة رئيس الجمهورية الأسبق الشيخ أمين الجميل الذي تمثله السيدة جويس عقيلته مشكورة، ودولة الرئيس النائب العماد ميشال عون والممثل بسعادة النائب سيمون أبي رميا، ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع الممثل بالأستاذ إدي أبي اللمع، ومدير عام قوى الأمن الداخلي الممثل بالعميد صلاح جبران قائد الدرك، والشكر الجزيل لكل الاعزاء المشاركين معنا من الهيئات الرسمية والروحية والقضائية والنقابية والأمنية والمدنية، ولكل الذين اتصلوا هاتفيا أو كتابة من لبنان وخارجه، ومن بينهم العديد من الرؤساء الروحيين والمدنيين والأشخاص الرسميين من دين ودنيا.
والشكر كل الشكر لكم يا صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكردينال مارنصرالله بطرس الكلي الطوبى، وإخوتي السادة المطارنة الأجلاء وقدس الرؤساء العامين والرئيسات العامات والآباء والكهنة والرهبان والراهبات، والشكر بامتنان لأصحاب المعالي الوزراء والسادة النواب ، ولكل هذه الوجوه الكريمة والعزيزة، ولكل الحاضرين معنا للأسى والصلاة رافعين من أجلنا جميعا صلاة أعدها الأب طوني لعيد مار روكز من أجل المتألمين، طالبا أن يتحملوا آلامهم بصبر كما تحملت مريم آلام ابنها على الصليب.
قوهم يا رب لأنك البلسم لجراحاتنا والمنقذ لشدائدنا. ومن أجل الموتى لكي يكونوا في بيت الآب السماوي حيث طمأنينة الله التي تدعونا للعيش في عالمه الأبدي. نسأل الله أن يعوض علينا بسلامتكم جميعا وبطول العمر ودوام الخير والنجاح، وأن يقبل في نعيمه السماوي عزيزنا الأب طوني، ورجاؤنا وطيد مثل رجاء بولس الرسول الذي أنهى كلمته التي استهللنا بها هذه الكلمة: "والآن يحفظ لي إكليل المجد، يجازيني به سيدي" (2 طيم 4:8).
نعم، الرب أعطى والرب أخذ. فليكن اسم الرب ممجدا الآن وإلى الأبد. آمين". وقد خدمت الذبيحة جوقة سيدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة.