#dfp #adsense

من عهد الوصاية السورية إلى عهد وصاية السلاح…مسلسل حرب الإلغاء ضد الحريري 1998 ـ 2011…”المستقبل”: المسيحيون والرهان على رفيق الحريري

حجم الخط

كتب نصير الأسعد في صحيفة "المستقبل": في وسع اي متتبع عن كثب للعلاقة بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري والمسيحيين، ان يلاحظ ان هذه العلاقة مرت بين 1992 و2005 بثلاث مراحل اساسية.

مرحلة نوع من "الرهان" المسيحي على رفيق الحريري بين 1992 و1995 ثم مرحلة من الالتباسات والاشكاليات بين 1995 و2000. ثم مرحلة من الاشارات الايجابية المتبادلة و"التواطؤ التضامني" بين 2000 و2005.

تزامناً مع هذه المحطات الثلاث في العلاقة المسيحية بالحريري كان واضحا ان معظم المسيحيين بمرجعية الكنيسة وعلى رأسها البطريرك نصر الله بطرس صفير ركزوا تذمرهم واعتراضهم على الرئيس الراحل الياس الهراوي، خاصة بعد التمديد له والذي اعلنه الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد بنفسه، اذ اعتبروا سياق رئاسته استفزازياً، واذا كانت العلاقة بينهم وبين الرئيس السابق اميل لحود قد "تفجرت" مباشرة بعد الانتخابات النيابية صيف العام 2000، فان علاقتهم بلحود بين 1998 و2000، اي مرحلة الكيدية ضد رفيق الحريري، لم تكن علاقة سليمة سيما انهم اكتشفوا مبكراً ملامح نظام أمني لبناني ـ سوري مشترك واجهته اميل لحود.

لا تحتمل هذه المقالة اطالة. بيد ان ثمة اضاءة لا بد منها ففي وعي المسيحيين حتى في محطة الالتباسات والاشكاليات، ان رفيق الحريري ليس مشروعا لما سمي "اسلمة لبنان" ـ المقولة التي سوقها اعداؤه واخترقت لفترة بعض العقول ـ وانه زعيم مسلم لبناني وأنه صاحب مشروع حداثي للبنان لا بد مصطدم بالوصاية السورية ونظامها الأمني ولا مستقبل له بدون التحرر من الوصاية.

وحقيقة الأمر ان المسيحيين المتفيئين بعباءة بكركي كانوا على الأرجح يرغبون في رؤية رفيق الحريري صداميا اكثر، في حين كان الرئيس الحريري يريدهم ان يحسبوا موازين القوى اكثر وعدم استباق التاريخ اذا جاز التعبير.

ان المقدمات الآنفة تهدف الى القول ان وعي اهمية الشراكة الاسلامية ـ المسيحية كان متبادلا بين "الجانبين"، وان الشعور بـ"حاجة" كل منهما الى الآخر كان قائما.. وان "حنو" أحدهما على الثاني لم يكن خافياً.

على ان العلاقة بين الحريري والمسيحيين تطورت منذ العام 2000 وبعده وكان "مسيحيو بكركي" مهدوا في العام 1999 في عقد مؤتمر اطلق وثيقة "معنى لبنان" التي تضمنت التشديد على الشراكة وقد سميت الوثيقة بـ"قرنة شهوان الأولى"، على اعتبار ان المطران يوسف بشارة ـ ومقر ابرشيته في قرنة شهوان كان منذ البداية مكلفا من البطريرك صفير بمواكبة "الحراك المسيحي" الذي انتظم لاحقا في "لقاء قرنة شهوان" بعد النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة في 20 ايلول 2000 والذي دعا الى انسحاب الجيش السوري في لبنان.

تحلق "لقاء قرنة شهوان" حول البطريرك ونداء المطارنة وأعلن عن نفسه "رسميا" في نيسان 2001 وأصدر وثيقته التاسيسية الحافلة بقضايا الشراكة والاستقلال.

واذ اعتبر المسيحيون المتحلقون حول الكنيسة ورأسها ان مرحلة تاريخية جديدة بدأت باخراج الاحتلال الاسرائيلي وينبغي ان تستكمل ب"الاستقلال عن سوريا"، فانهم التزموا بمبدأ صاغه البطرك صفير ان الكلام في موضوع الاستقلال يجب ان يبت مع المسلمين وليس مع النظام السوري، اي ان مسالة الاستقلال تقررها الشراكة المسيحية ـ الاسلامية. وهذا المبدأ ترجمه عدد كبير من "مسيحيي بكركي" بمقولة غدت شهيرة ومعروفة مع الوقت: ان استقلال لبنان عن سوريا بحاجة الى المسلمين وقياداتهم..الى قيادة مسلمة كم كان الاستقلال عن فرنسا بحاجة الى قيادة مسيحية.

والحق يقال ان ذلك كان اقتناع رفيق الحريري "الضمني" قبل ان يغدو معلنا من قبله في مجالسه السياسية والحق يقال ايضا انه اذا كان الزعيم وليد جنبلاط بادئاً في الانفتاح من الضفة الاسلامية، فان الشهيد رفيق الحريري اعطى منذ العام 2001 اشارات الى طور جديد من علاقته بالمسيحيين.

بعد 7 آب 2011 الذي افتعله النظام الأمني لمنع اي تقارب او انفتاح اسلامي ـ مسيحي رفض رفيق الحريري هذا الأمر وأوفد نوابا من كتلته الى "لقاء الكارلتون" الذي التأم لشجب القمع وفي 2002 وقف بجانب "مسيحيي بكركي" في انتخابات المتن الفرعية التي فاز فيها مرشحهم غبريال المر، ثم بعد ذلك بين نهاية 2003 وبداية 2004 عندما أعلن رداً على "تسريبات دمشقية" بالقول ان "رئيس وزراء لبنان لا يتلقى تعليماته من أحد خارج لبنان" مؤشراً بذلك الى "طفح الكيل". ثم كانت مشاركته المتدرجة صعوداً عبر ممثلين عنه في لقاءات المعارضة في "البريستول" وقد انخرط في تمثيله النواب غطاس خوري والشهيد باسل فليحان وأحمد فتفت.

.. حتى كان اتفاقه مع المعارضة المسيحية اي مع "مسيحيي الكنيسة" على خوض انتخابات 2005 موحدين لتأمين اكثرية نيابية تغير توازن قوى البحث في المسألة اللبنانية، وهي أكثرية كانت متوقعة من "الخصوم" انفسهم.

.. الى ان كان استشهاده المدوي الذي ولد الاستقلال الثاني، فتحققت نبوءة المسيحيين بأن الاستقلال عن سوريا ينبغي له قيادة مسلمة.. لكن مع الأسف بدماء هذه القيادة.

ان كل السطور السابقة لا تكتب تاريخ علاقة الحريري بالمسيحيين بطبيعة الحال، لكنها شهادة لهذه العلاقة ومضامينها الاستقلالية والديموقراطية والمستقبلية الحداثوية.

هي شهادة تقول لمن حاولوا الغاء رفيق الحريري بين 1998 و2000 انهم فشلوا فنهض لبنان بالشراكة الاسلامية ـ المسيحية، وخسروا رهان التفرقة بين رفيق الحريري والمسيحيين فانتصرت الشراكة وتحقق الاستقلال.

هي شهادة تقول لمن يحاولون اليوم تجديد الغاء "الحريرية السياسية" باستهداف الرئيس سعد الحريري وتمثيله وجمهوره. ان هذه بضاعة بالية. الغاء؟ في زمن التغيير والتحولات الديموقراطية؟ الغاء في زمن انهيار القديم وبضاعته؟ الغاء في زمن يقول سعد الحريري ان الموت يفرق عن حلفائه المسيحيين ويقول المسيحيون ان تحالفهم مع سعد الحريري خيار راسخ؟ الغاء في عصر العدالة؟ الغاء في عصر القطع مع الماضي نحو المستقبل؟!؟؟

قدر الحريرية السياسية ان تكتب تاريخاً جديداً آخر للبنان.. من ضمن العيش المشترك وميثاق الشراكة.

لقد انتهت تلك اللعبة البائسة. لقد اصبح رجال هذه اللعبة مرضى وقريباً في الكوما. والمستقبل لرجال الرؤية والمستقبل والجديد.

 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل