كتب الفونس ديب في صحيفة "المستقبل": لم يكن مقدّراً للبنانيين ان ينعموا بالاعمار والتطور والحياة الهانئة التي ارادها الرئيس رفيق الحريري لهذا البلد وشعبه. لقد عمل جاهداً لوضع لبنان في مصاف البلاد المتقدمة وان يعود حقيقة "سويسرا الشرق"، كما بدا واضحاً في مشروعه الاقتصادي والمشاريع الكبرى التي نفذها في اطار عملية اعادة الاعمار.
لم تترك سلطة الوصاية ومن خلفها من ادوات داخلية وسيلة الا واستخدمتها لضرب هذا المشروع وبرنامج "باريس 2" الاصلاحي. خافوا من افكاره ومن قدراته ومن اعماله الكبيرة التي حققها بسرعة قياسية، ولم يكن باستطاعتهم مجاراته، او اللحاق به، فاستهدفوه بالاضاليل والشائعات ومارسوا التخريب والتعطيل.
الا ان الحريري لم ييأس، فواجه التخريب الذي طال كل مفاصل الحياة الاقتصادية والمعيشية في فترة خروجه من الحكومة 1998 – 2000 ابان حكومة الرئيس سليم الحص، بارادة صلبة وعزم أكبر لايصال البلاد الى بر الامان والنهوض بها من جديد، فعمل مع فريق عمله لعقد مؤتمر اقتصادي دولي لمساعدة لبنان، الذي عرف بمؤتمر "باريس 2".
وقد استطاع الحريري من خلال علاقاته الدولية، من تحقيق نجاح باهر للمؤتمر الذي جمع أكثر من عشرة مليارات دولار، بحسب وزير المال الاسبق جهاد ازعور، كما ظهرت نتائجه الايجابية سريعا في الاقتصاد. الا ان الصورة التي التقطها الحريري مع رؤساء الدول والحكومات والمنظمات الدولية المشاركين في المؤتمر، كان لها الوقع الاكبر على خصومه في سلطة الوصاية ورموزها، ما حدا بالرئيس الحريري الى القول للفريق المرافق "يا شباب بس نرجع بدنا ناكل أتلة". ولفت ازعور الى ان "الانتظار لم يدم طويلا، فمن اليوم الاول بدأ التخريب، وتعطيل كل المشاريع الاصلاحية التي اتفق عليها بين كل الاطراف، والتي اعطيت حولها وعود مباشرة من القيادتين اللبنانية والسورية الى الرئيس جاك شيراك".
"فوبيا الحريرية" هي التي كانت تقض مضجع خصومه. خافوا من نجاح "الحريرية" وظهور نتائجها الكبيرة على مختلف المستويات فسارعوا لقتلها في المهد، لكنهم لم يفلحوا.
يقول النائب غازي يوسف "ان نظام الوصاية واتباعه لم يجد رغم كل الممارسات الكيدية سبيلا لايقاف متابعة الرئيس الحريري لمشروعه الاصلاحي الا باقالة الحكومة، "وقد جاء ذلك بطلب مباشر من ابو عبدو الى الرئيس الحريري في لقاء جمعهما في قريطم. وفي أقل من 24 ساعة شكلت حكومة جديدة اخرجوا منها فريق عمل الحريري، واعطوه 3 وزراء سنة من أصل 30 وزيرا، ليقولوا له: انت رئيس حكومة فقط وزعيم سني صغير، فيما تجند معظم الوزراء لمواجهة الحريري وتعطيل مشاريعه".
وكان ابرز ابطال تلك المرحلة وزير الاتصالات جان لوي قرداحي ووزير الطاقة والمياه ايوب حميد، فالاول تجند لدى أميل لحود لضرب قطاع الاتصالات والاستيلاء على مداخيله، والثاني لتعطيل مشاريع تطوير قطاعات الكهرباء والمياه والنفط.
واتفق ازعور ويوسف على تأكيد اوجه الشبه بين مرحلة الرئيس الشهيد، ومرحلة الرئيس الابن لجهة الكيدية والتعطيل والتخريب والحقد، فلا شيء تغير وتنفيذ الاهداف ما زال على نار حامية، فالمطلوب اولا واخيرا ضرب الحريرية والغاؤها.
* * *
ان معرفة أهمية "باريس 2" كحدث اقتصادي بحد ذاته وأهميته للبنان، تلقي الضوء على مدى حجم التخريب الذي اصاب لبنان وتخطى بانعكاساته الكبيرة البعدين الاقتصادي والسياسي، بممارسات قام بها خصوم الحريري بدم بارد مع علمهم المسبق بأن افعالهم تشبه افعال نيرون.
ولخص ازعور تلك المرحلة قائلاً انه "في مطلع العام 2001 وبعد عودة الرئيس رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة، كان الوضع الاقتصادي في لبنان سيئا جدا، عقب حكومة الرئيس سليم الحص، فمستوى النمو كان شبه معدوم وسلبي في بعض الاحيان وميزان المدفوعات سلبي، والضغوط كانت كبيرة جدا على الاقتصاد في ظل وضع مالي غير مريح للدولة، وهذه الظروف وضعت لبنان في حال خطر اقتصادي حقيقي، اثر بالدرجة الاولى على المواطنين العاديين، الذين لا يملكون القدرة على مجابهة الضغوط المالية والاقتصادية".
اضاف "وبناء عليه، ركز الحريري على عودة النمو ومعالجة المشكلة المالية ووضع ذلك في صلب اولويات حكومته. وفي هذا الوقت نشأت لديه فكرة عقد مؤتمر دولي لدعم لبنان، وهي بدأت باجتماع ضمه والرئيس جاك شيراك في باريس خلال زيارة قام بها على رأس وفد وزاري في مطلع شباط 2001 ، وفي 27 شباط عقد اجتماع تحضيري في اطار ما سمي باريس 1. وتابع الرئيس التحضير بتنفيذ مجموعة من الاجراءات الصعبة، ومنها اصلاحات مالية واقرار الضريبة على القيمة المضافة، والتحضير للخصخصة، بالاضافة الى مجموعة من الخطوات التي كان لها تكلفة سياسية كبيرة".
الادوات التي تتحرك عن بعد
وتابع ازعور "استعين في تلك الفترة بمجموعة من الأقلام المتخصصة، التي نرى بعضا منها الآن في السلطة، لشن حرب على الرئيس الحريري، وقد ركزت حملتها على خلق حال من الخوف حول امكانية ضرب الاستقرار وانهيار الليرة واعادة النظر بسعر الصرف، والقيام بعملية خفض قسري للدين على حساب المواطنين. هذه الحملة كانت تستعر كلما تم التقدم خطوة على مسار التحضير لمؤتمر باريس 2. الا ان الحريري المعروف عنه انه رجل المبادرات، قام بعيدا من الانظار، بمجموعة من التحركات تجاه الدول العربية والخليجية خصوصا المملكة العربية السعودية لتأمين كمية من الدعم للحفاظ على استقرار الوضع الاقتصادي والمالي الى حين انعقاد باريس 2، وفي الوقت الذي كانت تتم فيه المفاوضات، كانت التسريبات الاعلامية في اوجها حول أمور جزء قليل منها صحيح والجزء الكبير الآخر مفبرك". ووصف ازعور تلك الفترة بأنها "من اصعب الفترات التي مرت البلاد فيها على المستوى الاقتصادي والمالي منذ نهاية الحرب الاهلية".
وقبل اطلاق "باريس 2" انجز الرئيس الحريري مجموعة من الاجراءات الاصلاحية، كان ابرزها: الضريبة على القيمة المضافة، البرنامج الاصلاحي، بعض الاجراءات التي لها علاقة بدخول لبنان في الشراكة الاوروبية. وكذلك تم التحضير لعملية الخصخصة على اساس ان خصخصة قطاع الاتصالات ستنطلق مطلع العام 2003.
وأشار ازعور الى ان "لبنان تعهد للمجتمع الدولي، وبناء على التزام داخلي لبناني وخارجي من قبل سوريا، بتنفيذ الاصلاحات التي تضمنها البرنامج الحكومي"، مؤكداً ان "الاتفاق على تنفيذ الاصلاحات، تم على اعلى المستويات وقد اعطي هذا التعهد للرئيس جاك شيراك. لكننا قبل يومين من انعقاد باريس 2، تفاجأنا باول تنصل من التعهدات بالتراجع عن دفاتر الشروط لخصخصة قطاع الاتصالات (الخلوي).
ورغم سياسة وضع العصي في الدواليب والعرقلة الواضحة، فإن مؤتمر باريس 2 حقق نجاحاً منقطع النظير، وقد استطاع ان يحصد من الدول المانحة 10 مليارات دولار أو ما يعادل حينها 45% من الناتج المحلي، كما ان نتائجه ظهرت سريعا على المستوى الاقتصادي لا سيما بالنسبة للفوائد على الليرة وميزان المدفوعات ورؤوس الاموال، بسبب الثقة بالرئيس الحريري ونجاح سياسته المالية والاقتصادية. ويمكن استخلاص ذلك من الصور التي التقطت والتي تعبر عن الثقة الدولية الكبيرة بالحريري، إذ شكل المؤتمر حالة استثنائية مع حضور هذا العدد الكبير من رؤساء الدول والحكومات".
الانجاز والصورة والخوف من "الاتلة"
ويتذكر ازعور هنا كيف كان الحريري يوم المؤتمر متوجسا، وهذا يظهر في الصور التي التقطت، فكان خائفا من رد الفعل الداخلي على هذا النجاح. وقد أحس ان هذا الانجاز الكبير سيدفع ثمنه، رغم نتائجه الايجابية التي بدأت بالظهور سريعا على مختلف المستويات.
وكشف ازعور ان "الرئيس الحريري عبر عن هذا الامر في طريق عودتنا بالطائرة من باريس الى بيروت، حيث أعرب عن خوفه من رد الفعل السلبي لنجاح المؤتمر، وقال "يا شباب بدنا نأكل أتلة"، لن يقبلوا بهذه الصورة التي اتت من باريس، ومن غير المقبول ان أحقق ذلك". ولم يتأخر الرد فعلاً، فمن اليوم الاول الذي تلا المؤتمر بدأ الرئيس الحريري يشعر بان الضغط يزداد عليه، وان العملية الاصلاحية ستتأخر".
وأوضح ازعور انه "خلال النصف الاول من العام 2003 تابع الرئيس الحريري تنفيذ باريس 2 بشكل دقيق لا سيما ما يتعلق بالتعهدات، خصوصا ان لبنان استلم في مطلع العام 2003 نحو ثلث الدعم الدولي. ولمواجهة النجاح الباهر الذي حققه الحريري والنتائج الايجابية المحققة على الارض، لم تجد سلطة الوصاية ومن معها سبيلا لذلك الا بحملات التحريض والتشويه، على اعتبار ان ظهور قدرة الحريري على النهوض بالاقتصاد اللبناني ستزيد من قوته السياسية.
ولفت الى ان "عامي 2003 و2004 كانا من اصعب السنوات على لبنان، اذ تم ايقاف الاجراءات الواردة في الخطة الاصلاحية، في حين لم يمرر مجلس الوزراء الا الامور البسيطة والتافهة، اما الامور الاساسية فكانت تضيع بالجدال العقيم، ومنها خصخصة الاتصالات. ويبقى التعاطي مع مشروع موازنة العام 2003 الذي احيل الى مجلس النواب بعد موافقة كل الافرقاء، خير دليل على الاسلوب التخريبي الذي اعتمد للتعطيل، إذ تم الهجوم على الموازنة وتهشيمها، وأخرجوا منها كل المشاريع الاصلاحية. وتتابع ذلك بالهجوم على ملف الخصخصة وتم تعطيل خصخصة الكهرباء والاتصالات و"الميدل ايست". ولكن مع كل هذا الكم من التفشيل لم يكتفوا، فعمدوا الى اقالة الحكومة في نيسان 2003، وتم تغيير وزير الاقتصاد والتجارة آنذاك باسل فليحان الذي يعتبر من مهندسي باريس 2".
اسقاط المشروع هدف لا غنى عنه
تابع أزعور: "لقد بدا واضحا ان الفريق الآخر يتبع سياسة المماحكة اليومية لتعطيل كل اجراء يمكن البلد من التقدم. وهذه السياسة تمت متابعتها خلال الحكومة الجديدة، إذ شنوا هجوما مضادا لاعادة تكبيل الاقتصاد الللبناني، وتقويض باريس 2 بهدف ضرب القدرة السياسية للرئيس الحريري، لأن ضربه كان يوازي ضرب الاستقرار".
ورأى ازعور ان "مواجهة مشروع الحريري لم تنته مع جريمة اغتياله، فأي شخص يمكنه ان يرى أوجه الشبه الكبيرة بين الفترة الماضية وفترة تولي الرئيس سعد الحريري رئاسة الحكومة، مع وجود ترابط في الاداء لتعطيل الحكومة واظهارها عاجزة عن الحركة، ما يعطي المجال للمطالبة بتغييرها".
وأوضح انه "خلال هذه الفترة عادت الابواق نفسها وعدنا نسمع الاسطوانة نفسها، التي انقطعنا عن سماعها منذ العام 2005، والتي أطلقت كلاما مشابها للذي تردد بين عامي 1998 و2000. فهي اسطوانة ديماغوجية، تهدف الى تحميل مرحلة سعد الحريري 2010 و2011 مسؤولية كل ما جرى في لبنان من نهاية الحرب حتى الآن".
اضاف "في الواقع كان الرئيس سعد الحريري يهتم بملفين اساسيين، الاول ما يسمى اولويات المواطن وهو يضم 14 ملفا، والثاني اعادة اطلاق الاقتصاد اللبناني. فالامور الاصلاحية والحياتية تم الهجوم عليها بالتزامن مع هجوم مماثل على وزارة المال مثلما كان يتم ابان عهد الأب مع نفس الادوات والطرق والكلام ".
واعرب ازعور عن استغرابه من العودة الى المنطق ذاته الذي تمت من خلاله مهاجمة الرئيس الحريري (الأب)، بعد كل التغييرات التي تمت في العام 2005، لكن هذه المرة من اشخاص لم يكونوا في تلك المرحلة في هذا الفلك. والمفارقة الكبيرة، ان الحكومة الحالية تقر كل مشاريع القوانين المحضرة ابان حكومة الرئيس الحريري وتتخذ كل القرارات التي كانت تعارضها قوى 8 آذار. فمثلا في موضوع البنزين حصلت معارك سياسية طاحنة من قبل الوزير جبران باسيل لمنع زيادة الأسعار، أما الآن فهو يقوم بنفسه بهذا الامر".
وأكد ان "الحملة على الحريري كانت تغلف بعناوين تختلف عن اهدافهم الحقيقية، فهم كانوا يحاولون اظهار وجود اختلاف حول السياسات الاقتصادية أو الايحاء ان لديهم سياسات اقتصادية بديلة، لكن اذا نظرنا الى البيان الوزاري او السياسات القطاعية او مشاريع القوانين التي تقر نجد ان لا سياسة بديلة، وهنا يظهر بوضوح ان الهدف هو عدم تمكين الرئيس الحريري من الانجاز الاقتصادي، باعتبار ان لديه قوة سياسية شعبية كبيرة وإذا تمكن من تحقيق الانجازات على المستوى الاقتصادي، فعندها لا يمكن الوقوف في وجهه".
ورأى ان "ما حدث لحكومة الرئيس رفيق الحريري بين 2002 و2003 يتم استكماله مع حكومة سعد الحريري بالتحديد. فمنذ تشكيل حكومة سعد الحريري تمت استعادة الادوات والاساليب ذاتها لتحقيق الاهداف ذاتها".
يوسف في قلب المشروع الاصلاحي
وعرض يوسف افكار الحريري حول مشروعه الاصلاحي والخطوات التي قام بها للتحضير وانجاح "باريس 2"، مشيرا الى انه كان يرى ان "الطريقة الوحيدة لمعالجة المشكلات الاقتصادية هي خلق بيئة مناسبة تسمح بنمو الاقتصاد وتكبير حجمه من دون اللجوء الى زيادة الضرائب، وتخلي الدولة عن قطاعات لاستثمارها من قبل القطاع الخاص. وهذا يتيح زيادة الواردات وتقليص العجز وتحرير البلد من القيود الموجودة التي تحد من قدرة الاقتصاد على النمو".
"باريس 2" والاجراءات الاقتصادية
وقال "بدأ العمل في هذا الاطار من وزارة الاعلام حيث قام الوزير غازي العريضي بخفض عدد المتعاملين مع الوزارة، وانتقلنا بعدها الى العسكر (الجيش) وخضنا معركة لخفض التعويضات، ومن ثم الى الضمان الاجتماعي حيث خفضنا نسبة الاشتراكات من 38،5 في المئة الى 22 في المئة. كما اتخذنا اجراءات لتحريك العجلة الاقتصادية. ومن الامور التي عملنا عليها ونقلناها معنا الى الخارج لاطلاع المجتمع الدولي على ما نقوم به لتطوير الاقتصاد: اعادة توزيع فائض الموظفين من خلال مجلس الخدمة المدنية، خفض التعرفة الجمركية، اقرار قانون جديد للجمارك، انشاء المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات "ايدال"، وعملنا مع "الميدل ايست" على خفض فائض الموظفين وانشأنا المؤسسات التابعة لـ"الميدل ايست" (ميز وميغ ومافكو) وحصلنا على قرض بـ100 مليون دولار لدفع التعويضات للموظفين الذين تم الاستغناء عنهم، ورشقنا الشركة لتمكينها من الربح، واقرينا الاجواء المفتوحة لفتح المطار امام كل الشركات العالمية، وفتحنا المطار للسياحة واوقفنا الدعم للشمندر السكري، واقرينا قانون تبييض الاموال، وحررنا استيراد الادوية والنفط، وكسرنا الاحتكارات، والغينا الوكالات الحصرية، وامنا دعم الفوائد للقطاعات المنتجة، وانشأنا "كفالات" و"اكسبورت بلاس"، واقرينا التسوية الضريبية ورسم مهني جديد، بالاضافة الى اتفاق الشراكة بين لبنان والاتحاد الاوروبي.
اضاف "في اطار التحضير لمؤتمر "باريس 2"، عقد مؤتمر "باريس1"، والتزم حينها لبنان بمجموعة من الاجراءات منها: استكمال الاصلاحات المالية، وادخال ضرائب جديد لاسيما الضريبة على القيمة المضافة، واقرار قوانين تتعلق بخصخصة القطاعات الموجودة لدى الدولة، منها الكهرباء والمياه والاتصالات. في هذا الاطار اصدرنا اول قانون وهو القانون 431 الذي يعنى بالاتصالات ومن ثم القانون 462 بالكهرباء، وتعاقدنا مع شركات للتنقيب عن النفط وتحديد حدود لبنان البحرية واجرينا المسح السايزمي ونفذنا دراسات للتحقق من مخزون النفط المجود لدينا، وبدأنا العمل على قانون التنقيب عن النفط، وتعاونا مع مصرف "سوسيتيه جنرال" لوضع دراسة حول تخصيص المياه في لبنان. كل هذه الخطوات تم تحضيرها، بين 2001 و2002 بالاتفاق بين جميع الاطراف، من ثم ذهبنا الى باريس 2، الذي حقق نجاحا باهرا، فلا أحد كان يستطيع ان يجمع آنذاك هذا العدد من رؤساء دول وحكومات ومؤسسات دولية بهذا العدد والمستوى، وان يوافقوا على مساعدة لبنان بهذه الطريقة وبهذا الحجم".
لحود والقرداحي للهيمنة على الخلوي
وقال يوسف: "بدأ التفشيل سريعا في موضوع الاتصالات، مع ان قانونه كان قد اقر في العام 2001، الا ان وزير الاتصالات آنذاك جان لوي قرداحي كان يعمل فقط لافشال خطة الرئيس الحريري لخصخصة هذا القطاع. وكنت حينها اعمل في المجلس الاعلى للخصخصة لتسهيل خصخصة هذا القطاع، وكان لدينا مستشارون ماليون ومستشارون قانونيون يعملون على هذا الملف وهم ينسقون مع الوزير قرداحي لاطلاق مناقصة عالمية لبيع رخصتي الخلوي، المشغلتين من قبل شركتي "ليبانسيل" و"FTML".
لم يرض الوزير قرداحي بذلك، واقنع رئيس الجمهورية اميل لحود بضرورة القيام بالخصخصة بسرعة فائقة، من خلال اصدار قانون، وقال له: اذا لم تنجح العملية يعود القطاع الى الدولة ونستفيد من امواله مباشرة. لذلك يجب ان نجري المناقصة بسرعة، وبهذا الشكل تفشل ونستعيد القطاع.
وعلى اثرها تم اصدار قانون رقم 433 لخصخصة القطاع، الذي كتب على ورقة واحدة، بعد التفاهم على هذا الموضوع باتصال هاتفي بين لحود وقرداحي والرئيس نبيه بري، وقال لحود حينها للرئيس بري: دولة الرئيس معي الوزير قرداحي على الخط ويؤكد انه بامكاننا ان ننهي المناقصة خلال ثلاثة اشهر، وفي هذه الاثناء سأل لحود قرداحي وعلى مسمع الرئيس بري عن امكانية القيام بذلك فاجاب طبعا فخامة الرئيس. وبعدها ذهبوا الى مجلس النواب واقروا القانون بهذه البساطة، وهو قضى باستدراج العروض خلال 3 اشهر اعتبارا من 31 آب 2002. وقد تم الاعلان عن المناقصة الا انها فشلت، وبذلك تحولت الايرادات الى الوزارة.
وبعد انتهاء العقود مع الشركتين واسترداد القطاع، تم التعاقد مع الشركتين لتشغيل القطاع لمصلحة الدولة حتى آخر العام 2004. ومع فشل هذا الاجراء طلب قرداحي من لحود خصخصة الادارة عبر مناقصة عالمية، لتأمين استمرار سيطرته على القطاع. ومن وقتها بدأ "التخبيص" خصوصا ان التعاقد مع الشركتين جاء عبر استدراج عروض غير شفافة ومكلفة، فيما أخذ وضع القطاع بالانحدار، وقد تراجع ترتيبه في المنطقة العربية الى المرتبة الاخيرة بعدما كان لبنان يحتل المرتبة الاولى.
إقالة الحكومة وضرب فريق العمل
وبالنسبة لقطاع الكهرباء كان لدى الرئيس الحريري برنامج متكامل لتطوير القطاع يعتمد على معلومات دقيقة حول كل ما تملكه مؤسسة كهرباء لبنان والدولة في هذا الاطار، بالاضافة الى دراسة كاملة لخصخصة الكهرباء، الا ان الاوامر باستقالة الرئيس الحريري قد صدرت في نيسان من العام 2003. فاقيل ولم يستقل، وفرضوا عليه حكومة جديدة.
وقال يوسف متذكرا: "يوم استقالة الحكومة كان نهار الاربعاء، يومها تحدث معي الرئيس الحريري وقال لي: كنت قد ابلغتني منذ فترة ان لديك صديقا لديه معلومات واسعة عن الكهرباء، دعنا نفكر به ونتكلم معه بعد الظهر، لانه يمكن ان تتغير الحكومة، ومن المفيد ان نحاول تعيينه وزيرا للطاقة.
هذا الكلام كان ظهر ذلك اليوم، بعدها ذهب الرئيس الحريري الى مجلس النواب والتقى الرئيس بري ليعود ويلتقي ابو عبدو الذي طلب منه الاستقالة، وفي أقل من 48 ساعة شكلت حكومة جديدة.
كان لا يروق لسلطة الوصاية وجود وزراء في الحكومة المقالة محسوبين على الحريري ومستعدين للقتال معه، ومنهم محمد عبد الحميد بيضون وباسل فليحان والرئيس فؤاد السنيورة الذي كان يتولى وزارة المال، وهذا الفريق كان يؤمن عمل الحكومة لجهة القيام بالاجرءات الاصلاحية، لذلك كان من الضروري اخراجهم من مواقعهم".
حميد وفضائح النفط
وأضاف "في الحكومة الجديدة اعطوا الرئيس الحريري 3 وزراء من غير النواب ليقولوا له ان ليس لديك كتلة نيابية، انت رئيس حكومة فقط وزعيم سني صغير سنعطيك 3 وزراء سنة، وهم الرئيس السنيورة وسمير الجسر وبهيج طبارة. فمن أصل 30 وزيرا اعطوه 3، واختاروا الوزراء الآخرين ليقاتلوا ضده، ومنهم ايوب حميد في وزارة الطاقة والمياه، الذي منع الرئيس الحريري من التعاطي في مواضيع المياه والكهرباء والنفط. وقد تعاطى بملف النفط باحادية مع مستشاريه، وراح يجري تلزيمات يمينا وشمالا وحصل على اثر ذلك فضائح كثيرة ما استدعى ادخال عدد من مستشاريه الى السجون، واستخدم السوريون هذا الامر ضد الرئيس بري الذي اضطر ان يمشي معهم مئة في المئة، بسبب مخالفات حميد ومستشاريه".
وتابع يوسف: "لقد أفشلوا الخصخصة، واوقفوا مشاريع الحريري الاصلاحية، بالاضافة الى عدد من المشاريع الحيوية، ومنها مدارس بيروت وتعيين مجلس ادارة مستشفى بيروت الحكومي ، ناهيك عن قصر المؤتمرات". وأشار الى انه بالاضافة الى الحملات التهديدية التي وصلت الى حد تهديد الرئيس الحريري ومن حوله، كان مجلس الوزراء يمثل الموقع الاساسي للتصدي لأي عملية اصلاحية من قبل الرئيس الحريري. فكل المشاريع المتعلقة بالمواضيع الاقتصادية كان يسيطر عليها وزراء مشاكسون له. كما كان مجلس الوزراء يقف بالمرصاد أمام اي مشروع يصل الى الجلسة.
معادلة ريحنا بالاقتصاد تريح غيرك
وتابع يوسف "ان سلطة الوصاية اعطت رفيق الحريري هامشاً معيناً من الحرية في الموضوع الاقتصادي. كما حددت عمله الاساسي بان يكون وزيرا لخارجية لبنان وسوريا للدفاع عن المقاومة ومصالح سوريا في الخارج، فضلا عن تأمين المال للبلد لخدمة هذه المصلحة. وفي المقابل كان ممنوع عليه في المجال السياسي اعطاء رأي داخلي او خارجي، الا بما يخدم المصلحة السورية وقضية المقاومة. وأوضح ان "الهامش الذي اعطي له في مجال الاقتصاد، كان من ضمن معادلة "ريحنا بالاقتصاد بتريح غيرك"، هذا يعني انه اذا لبنان مرتاح اقتصاديا فسوريا مرتاحة، لأن سوريا كانت تنهش لبنان وتعيش على حسابه".
واضاف "لقد فتح الرئيس الحريري الباب أمام سوريا للدخول الى الشراكة الاوروبية، وكان رأيه انه كلما تحسن المستوى المعيشي في سوريا كلما تحسنت علاقة لبنان مع هذا البلد، لأنه اذا كان المستوى المعيشي لدينا افضل هذا يجعلهم ينظرون الينا بحسد "ويتسلبطون" على بلدنا. لذلك كانت مصلحتنا تقضي بتحسين وضعهم المعيشي، وهذا الامر كان يمارسه الرئيس الحريري بقناعة، لكن هم من جهتهم لم يروا هذا الامر إيجابياً، انما اعتبروا ان قيام الحريري بتحسين وضع البلدين يعني ان لديه مصلحة في سوريا، وهذا يظهر الى اي حد كان عندهم فوبيا من الرئيس الحريري، والخوف من انتقال عدوى الحريرية الى بلادهم".
وأشار يوسف الى انه مع النجاح الباهر الذي حققه الحريري لم يكن من مصلحتهم ان يقال بان الحريري نهض بكل البلد. لذلك قاموا بحملات عنيفة ضده مستخدمين كل الوسائل، وهذا أشعره بمرارة كبيرة. وقد اعلن مرارا خلال توليه الحكومة الاخيرة (2003 2004) "هذه الحكومة ليست حكومتي".
الحريري الابن يواجه نفس التحديات
وأكد يوسف الشبه الكبير بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري والحكومة الاخيرة للرئيس الشهيد، فهذه كانت قسرية بقرار سوري واضح، وحكومة الوحدة الوطنية شكلت بقرار من حزب الله وبقرار اقليمي تم في الدوحة باتفاق بين قطر وسوريا. وقال "الرئيس سعد الحريري وبنفس النفسية والانفتاح والقلب الطيب قبل التضحية لبناء البلد، ودخل في شراكة في الحكومة مع الشركاء الجدد، فماذا فعلوا به؟ فرضوا عليه امورا صعبة ولكنه قبلها على نفسه. ففي الاقتصاد وزير الطاقة جبران باسيل طلب صرف 4،5 مليارات دولار لمشروع الكهرباء. ومع اننا انتقدناها الا ان الرئيس الحريري قال ما شي الحال من أجل مصلحة البلد نتحمل التكلفة فالمشروع يتضمن شقا جيدا، ونحن من جهتنا نركز على الشق الجيد المتمثل بالاستفادة من الدراسات الموضوعة، وبناء معامل جديدة. وفي الاتصالات قلنا للرئيس ان الوزير شربل نحاس لا يمكن ان يتحمله أحد. وبعدما فرضوه عليه قال: ماشي الحال، فمهما كانت الكأس المرة سنشربها ونتعامل معه.