كتبت صحيفة "النهار": بعد نحو 16 عاما، أُقرّ لبنان مشروع الاسواق المالية في محاولة لتفعيل الاستثمار في الادوات المالية بما يطلق بورصة بيروت التي تكتفي باداء خجول يعتمد في معظمه على شركة "سوليدير" العقارية. فهل يطلق القانون حركة الاسواق المالية، ام تكون الحاجة الى مناخات محفزة استثماريا؟
في جلسة 4 الجاري، أقرّ مجلس النواب 3 قوانين ذات طابع اقتصادي، وتتعلق بـ"حظر الاستغلال الشخصي للمعلومات المميزة في التعامل بالاسواق المالية" (رقم 134798) ومشروع الاسواق المالية (16690) و"تسريع الفصل في الدعاوى المدنية والتجارية التي لا تتجاوز قيمتها مبلغا يعادل 30 مرة الحد الادنى للاجور" (4034).
ولم يغفل القانون التطورات على صعيد الاسواق المالية العالمية وما نجم عنها من ازمات اقتصادية، فمنح الهيئة المشرفة على الاسواق المالية حيزا من الاستقلالية من دون ان يؤثر في دور مصرف لبنان "بهدف عدم وقوع مفاجآت تترك آثارا سلبية في اوضاع السوق تنعكس خسائر على المستثمرين او على المصرف المركزي في ما لو اضطر الى التدخل لتصحيح الخلل". كذلك، أشرك وزارة المال في مهمة متابعة الاسواق عبر تمثيلها بالمدير العام للوزارة الى خبير مالي في مجلس هيئة الاسواق، وأشرك ايضا وزارة الاقتصاد والتجارة عبر عضوية المدير العام. وتمثل المصرف المركزي بالحاكم كرئيس للمجلس وبعضوية رئيس لجنة الرقابة على المصارف "اذ سيكون للمصارف دور في عمليات البورصة".
ونظرا الى خصوصية عمليات البورصات وتداول الادوات المالية وحركتها الدائمة، انشأت اللجنة محكمة خاصة بالاسواق المالية (مركزها قصر العدل)، واعطيت صلاحيات بت النزاعات الناشئة دون المساس بحق القضاء الجزائي في ما يتعلق بالحق العام. واقرّ القانون تأليف لجنة عقوبات مهمتها التدخل السريع بما يتناسب وحركة الاسواق واعطيت حق فرض بعض الغرامات واقتراح اخرى، واخضعت قراراتها للاستئناف امام المحكمة الخاصة بالاسواق.
ملاحظات
في قراءة للقانون، رأى الممثل الإقليمي للإتحاد العالمي للبورصات والأمين العام لاتحاد البورصات العربية الذي تولى رئاسة بورصة بيروت بين عامي 1999 و2009 الدكتور فادي خلف لـ"النهار" ان الفصل بين القطاع المصرفي وقطاع رأس المال مبدأ متعارف عليه عالمياً، مشيرا الى ان القانون لحظ بوضوح الفصل بين السلطات الرقابية "رغم أنه جمع بين رئاسة السلطتين الرقابيتين المالية والنقدية. وهو استثناء يصحّ نظرا الى طبيعة الإقتصاد عموما والمصرفي والمالي تحديدا".
وفي تكوين مجلس هيئة الأسواق المالية، رأى ان الجهات المعنية ممثلة على نحو منطقي وواضح، "كما ان تمثيل المصرف المركزي ولجنة الرقابة يظهر دورهما الفاعل في الهيئة نظراً الى حجم القطاع المصرفي في الإقتصاد". واعتبر ان الجمع ما بين الحاكمية ورئاسة هيئة الأسواق يساهم في إعادة الإهتمام بتطويرها، "لما لذلك من تأثير إيجابي مباشر في القطاع المصرفي الذي يختزن السيولة الضرورية لتطوير قطاع رأس المال الذي له تأثيره الخاص في الشركات القابلة للإدراج بحكم تعاونها الوطيد مع المصارف. وهذا يشكل الفرصة الوحيدة لإعادة إطلاق الأسواق المالية في غياب مشاريع الخصخصة للمرافق الحيوية".
ونصّ القانون في المادة 56 بعنوان "وضعية الاسواق المنشأة قبل صدور القانون"، على تحويل بورصة بيروت في مهلة سنة من بدء عمل مجلس "هيئة الاسواق" الى شركة مغفلة لبنانية تنتقل اليها حكما حقوق البورصة وموجباتها وانشطتها. وفي السياق، قال خلف ان الآليات تبقى تحت عنوانين لكل منهما حسناته ومحاذيره، موضحا ان بيع البورصات هو على نوعين:
"- البيع لشركات الوساطةMutualization وهو ما اعتمد في التسعينيات الى حين أدرك العالم المحاذير التي تجعل البورصات عرضة لتضارب المصالح. وما زالت البورصات التي خصصت بهذه الطريقة تعاني صعوبة في اتخاذ قرارات لا تصب في مصلحة شركات الوساطة.
– البيع للعموم عبر إدراجها في الأسواق الماليةDemutualization ، علما ان ثمة محاذير منها تملك شركات عالمية بورصات ترتبط بالاقتصاد المحلي وباسم البلد، اضافة الى تضارب في تطبيق الإجراءات الصارمة من البورصات على الشركات المدرجة، اذ يمكن ان تتجنب البورصات اجراءات قد تأثر سلباً على أسعار أسهمها كشركة مدرجة".
ودعا الى اخذ التجارب العالمية في الاعتبار والتحوط لمحاذيرها بما يتماشى مع التوجه العالمي بدون الوقوع في تلك المطبات، مقترحا آليات مساعدة تتمثل في "ابقاء السهم الذهبي للدولة دفاعاً عن مصالح المستثمرين، وتملك الوسطاء جزءا من رأس مال البورصة بحصص متساوية توزع على الشركات بمعزل عن حجمها، على أن يتم اقتطاع أو توزيع حصة الوسطاء الجدد أو المنسحبين بالتساوي بين البقية، اضافة الى امكان الاحتفاظ بحصة معينة تطرح للإكتتاب العام شرط ألا تتعدى حصة جهة واحدة تملكت عبر هذا الإكتتاب أكثر من 5% من رأس مال البورصة".
وبالنسبة الى المهل المحددة في القانون، اوضح خلف ان عملية تحويل البورصة شركة في مرحلة اولية اعطيت مهلة سنة، واعطيت سنة اخرى لخصصتها مع امكان تمديد المهل سنة اخرى. "وتاليا اذا بدأت الهيئة مزاولة مهماتها بعد سنة وتم تحويل البورصة الى شركة في مهلة سنة قابلة للتجديد سنة أخرى، وبعد ذلك تم تخصيصها في مهلة سنة قابلة للتجديد سنة أخرى، فيكون الحد الأدنى لتخصيص البورصة هو سنتان والحد الأقصى لذلك 5 سنوات، مما يعطي السلطات الوقت الكافي لإجراء عملية الخصخصة بالطريقة الأسلم لما فيه مصلحة الأسواق المالية".
ودعا الى الحاق هذا القانون بقانونين: الاول للافادة غير المشروعة من المعلومات Insider Trading وقانون خصخصة البورصة.
واوضح ان المشترع تدارك الخلل الذي كان يشوب مشاريع القوانين السابقة بمنعه الترخيص لتداول أي اداة مالية محددة في أكثر من بورصة واحدة في لبنان، وذلك لتجنب تجزئة التداولات والمعروفة عالميا بالـFragmentation مع ما تنتجه من سلبيات على حصر الرقابة في ردهة واحدة وعلى الاستمرارية المالية للبورصات.
ماذا عن تمويل هيئة الاسواق المالية؟
يجيب خلف ان هيئات الرقابة على الاسواق المالية تعتمد الرسوم المتوجبة على الادراجات الجديدة، واقتطاع جزء من ارباح البورصات. "وتاليا، قد تعاني هذه الهيئات شحا في الموارد في فترات الركود، اذ تحجم الشركات عن الادراج وتنخفض احجام التداول مما يدفع بها الى طلب تمويل من الدولة لسد العجز المحتمل". اما قبول الهبات والمساعدات (المادة 26) من جهات غير رسمية "فهو غير مستحب، وهذا ما وجب توضيحه. وهنا الدور المهم لإلحاق مصرف لبنان بعض مستخدميه بهيئة الأسواق المالية (المادة 54)".