على رغم الشكوك الكثيفة التي تحاصر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي والمرشحة للتنامي المتواصل، تملك هذه الحكومة فرصة قد لا تطول كثيرا لتمرير ملفين شديدي الاهمية في مسار التطورات الداخلية هما قانون الانتخاب الجديد ووضع نهاية حاسمة لملف الموازنات العالقة منذ عام 2006.
لا تقل الانقسامات السياسية حول هذين الملفين حدة عن كل القضايا المتسمة بطابع تقريري او حتى مصيري في الصراع الداخلي. لكن النقاش الذي حصل حول قانون ترسيم الحدود البحرية وافضى الى استيلاده ومن ثم النقاش الذي حصل حول اقتراح القانون الكهربائي الذي قدمه العماد ميشال عون وافضى الى تعديل مساره، شكلا قاعدة لا بأس بها وسط ظروف مأزومة يمكن اعتمادها للمضي بسرعة نحو اطلاق نقاش مماثل في الملفين المذكورين.
ذلك ان قانون الانتخاب يشكل اعلى مراتب المصالح السياسية للقوى المختلفة التي باتت مواقف معظمها معروفة من الآن، واذاما مضت الحكومة في "اشعال هذا النقاش وتوظيفه عبر مجلس الوزراء اولا والتوصل الى مشروع قانون ناجز لا نخال المعارضة الا ستجد مصلحة حيوية لها في ملاقاته بالحيوية نفسها خصوصا اذا تكررت ظاهرة تقاطع المصالح بين قوى موالية وقوى معارضة. والاهم من ذلك ان يضع هذا النقاش الطبقة السياسية برمتها امام اختبار عاجل هو نقل لبنان الى "الربيع اللبناني" لا استحضار "تفاهم الدوحة" البالي والبائد تكرارا.
اما ملف الموازنات العالقة منذ عام 2006 فهو الوجه الاشد قتامة في ادارة المال العام والتنمية والاصلاح الاقتصادي والمالي الذي يشكل واقعياً فضيحة الفضائح و"معجزة العجز" السياسي العام لكل قوافل السياسات المتعاقبة منذ ذاك العام ولاسيما في المقلب المتصل بفريق دأب على اتباع التعطيل نهجا ثابتا له. الآن تتاح الفرصة الذهبية لفريق 8 آذار حصرا ما دام يشكل العمود الفقري الحقيقي للحكومة والمتمتع بغالبية في المجلس لكي يكشف للبنانيين وامامهم نهجه "البناء" هذه المرة ويطرح وسائله وانماطه الخاصة لوضع حد لظاهرة تعليق الموازنات وترك الحبل فالتا امام دولة هائمة في الانفاق من داخل على قاعدة الصرف العتيق ومن خارج على قاعدة موجبات تحريك الحياة العامة.
ولعل افضل ما يوفره هذان الملفان للحكومة هو انهما اشبه بالحديقة الخلفية للصراع السياسي على ملفات كبرى مختلفة لا يملك الوسط السياسي اي قدرة ذاتية على التحكم بها، الا بممارسة مزيد من الصراع، في حين ان قانون الانتخاب وبت الموازنات العالقة يتيحان اختبار الهوامش المستقلة للقوى السياسية "بحلتها الجديدة"، بعد الزلزال الذي ضرب ارتباط معظم هذه القوى بقوى خارجية. وغني عن البيان ان فرصة كهذه لا تتحمل شرف الانتظار الطويل فالقابع خلف الباب ينذر بالكثير الى حد تدمير الفرص ذات العمر الربيعي.