رغم ان الحكومة تغيّرت، وقيل انها تتمتع بانسجام سياسي، وللتيار العوني فيها الثلث زائد واحد، اذاً لماذا يستمر وزراؤه في اسلوب "البلطجة" حتى إلى طاولة مجلس الوزراء. وطالما ان "بدلة الموالاة ضيقة" فإن الجنرال واعوانه لا يستطيعون التعايش مع اي صيغة حكومية، الا اذا نفذت اوامرهم وطلباتهم من دون اي نقاش. ومن الواضح انهم باتوا يحرجون حلفاءهم المؤكدين في "حزب الله"، وحلفاءهم المفترضين في حركة "امل"، فضلا عن الحلفاء المستجدين في مجموعة وزراء رئيس الحكومة.
هي حكومة رفعت "حزب الله" وكرسته حزبا حاكما، لكنه منشغل بالمأزق العميق الذي غرق فيه النظام السوري وحزبه الحاكم. لذا يرى حليفهما العوني ان الظرف مناسب للتسلق والعربدة، فمن جهة يريد استغلال هذه الحكومة تحضيرا لانتخاباته المقبلة، ومن جهة اخرى يهدد بفرطها اذا ما عاندت نزواته. هذا ليس فقط انعكاسا للطبع الفوضوي ولا رفضا للتطبّع مع فريق حكومي، انه منحى ابتزازي. وإلا فما الداعي للدعوة الى "احتلال" مجلس النواب، وما الذي يسمح لوزير بالاملاء اما ان يعتمد مشروع "قانونه" واما ان ينسحب من الجلسة.
سبق للعونيين وحلفائهم ان رفضوا في مجلس الوزراء وفي مجلس النواب مشاريع واقتراحات قدمها اعضاء من الفريق الآخر، بحجة انها تحتاج الى مزيد من الدرس او القوننة، او لأنها غير مستوفية الشروط شكلا. لماذا لم يتقبل الجنرال الملاحظات على اقتراحه المعجل المكرر؟ لان المكابرة تغلبت عنده على روح العمل البرلماني، ولأن ملاحظات المعارضين وصمت الحلفاء كشفت ان اقتراحه يجافي الاصول. فالامر يتعلق بقانون موجود منذ الحكومة السابقة التي عطلت المعارضة السابقة عملها قبل ان تطيحها، والاولى ان تبادر الحكومة الحالية الى احيائه وتبنيه وتذهب به الى المجلس معجلا مكررا، لا ان ينبري الجنرال او الصهر للظهور وكأنهما هما من يدير العمل الحكومي ويسعيان الى احراز لقب مشترك هو "زعيم الكهرباء" بما فيه من شعبية لا شك فيها، ومن اظهار للآخرين جميعا على انهم لا يريدون ان يحصل الشعب على الكهرباء. كان جليا ان اقتراح الجنرال اثار، بشكله وتهافته، ثم بالهياج الذي عقبه، تساؤلات تتعلق بالشفافية وبدور الدولة، اذ لا يجوز لاي شخص ان يشخصن قانونا وان يقول اعطوا فلانا مليارا ومئتي مليون دولار(!).
ينبغي القول ان اي سعي الى توفير الكهرباء يلقى القبول والترحيب، بمعزل عن الطرف السياسي الذي ينجح في تفعيله، وبحسب النيات المعلنة فان هذه الحكومة اعتزمت التركيز على الخدمات، لان "السياسات العليا" ليست من شأنها بل شأن الحزبين الحاكمين في سوريا ولبنان، لكن الحليف العوني الذي يحرص هذان الحزبان على تدليله قد يكون فوّت فرصة اقرار "قانون الكهرباء" او ارجأها لمجرد ان الجنرال وصهره نسيا ان الاموال المطلوبة لطبع اسميهما على عودة الكهرباء هي اموال الدولة. وبالتالي ينبغي ان يحسنا طريقة طلبها لئلا تبدو، ولو شكليا، كأنها ذاهبة الى بزنس مرتب سلفا مع المعارف والاصحاب. ثمة فارق بين الحماس للعمل العام والتحرق للمصالح الخاصة، ويجب ان يكون واضحا للرأي العام قبل الموالين والمعارضين.