عندما تتصفّح موقع عصام نعمان على "الانترنت"، ستجد التعريف التالي: دكتور في القانون العام، محامٍ بالاستئناف، وزير سابق للاتصالات، كاتب ومعلّق سياسي. أما محتوى الموقع فيضمّ: القوانين، الندوات، التصريحات، المؤتمرات، المحاضرات.. بالإضافة الى "نقرة": اتصل بنا.
أما من هو عصام نعمان الشخص، السيرة الذاتية، والنشاطات، الصور، الحياة الاجتماعية.. فهذا غائب تماماً. ليس ثمة أي حضور للذات الفردية وتفاصيلها، وليس ثمة أي معلومات شخصية تتيح لنا أن نكوّن أي فكرة حميمة عن هذا الرجل السياسي (القانوني). وهذا كلّه يدلنا على نمط من رجال السياسة تربّى على تعريف الحياة السياسية بوصفها "أسراراً" محجوبة عن العامة، وتعريف اللغة السياسية بوصفها "بلاغة" لفظية، وتجريداً ذهنياً ممتنعاً عن فهم الجمهور، فلا تكون شؤون السياسة، والحال هذه، قابلة للتداول، ولا يكون رجالها قابلين للعلنية في حياتهم وسيرهم.
هكذا كان عصام نعمان تجسيداً لنموذج رجل السياسة في عهد إميل لحود، عهد الكتمان وازدراء العلنية الديموقراطية.
النائب والوزير عصام نعمان، البيروتي الإقامة والعمل، غالباً ما حمل نفسه على ممارسة المحاماة (مهنته الأصلية) كخطيب سياسي. وإذ أقنع نفسه بأنه المتفوّه والخطيب البليغ، جاء السياسة من هذا الباب، على قدر كبير من اعتداد بالنفس يميّز المحامين أثناء ارتدائهم ثوب العمل، وتجوالهم في أروقة قصر العدل، أو وقوفهم في قاعة المحكمة.
هذه المسرحة المتمثّلة بادعاءات الرهافة والجهوزية البدنية واليقظة الدائمة، تُخسر الوزير نعمان بعض موجبات صورة الشخصية العامة، أي بعض الروح المرحة والخفّة والجاذبية والتواضع، ولهذا فهو أقرب الى مظهر الموظفين الكبار الصارمين، الذين يتقنّعون بالجدية حتى أثناء نومهم، وإضافة الى هذا، فان شكل نظاراته ولحيته الصغيرة يجعلانه أقرب الى سحنة الصيادلة أكثر من شبهه بالمحامين.
بحكم انتمائه المذهبي أولاً، وقناعاته الفكرية ثانياً، كان نعمان جنبلاطي الهوى، بلا انتماء فعلي الى الحزب "التقدمي الاشتراكي". ذلك أن "التناغم الفكري" كان محّدداً بشخص الراحل كمال جنبلاط، وتحت ظلّه السياسي انتمى، كمستقل، الى "الحركة الوطنية"، فكانت "استقلاليته" هذه تسمح له ببعض "الميوعة" الإيديولوجية التي تمزج بين الإعجاب بالناصرية والمحبة للاشتراكية والتقدير للبعثية، من دون إخفاء نزعته الى لبنانية أهلية تحفظ له "الحق" البرجوازي في الطموح الشخصي.
إذاً، وضمن خانة "الوطنيين" الواسعة، يضع الوزير نعمان إسمه، لكن في الوقت عينه، يروّج عن نفسه كسليل لـ"الدستوريين" وكحارس لصيغة التوافق والوفاق، فيضمّن يساريته مفردات اليمين، ويهتف في الشارع بلغة الحكومة، ويرطن بعروبته في معرض لبنانيته بلا تردد أو تليين.
وعلى هذا المنوال، لا يجد حرجاً في دخول صفوف العلمانيين، كما لا يتحرّج في الابتعاد عنهم، عند اللزوم. وله بهذا المعنى صفات لاعب الشطرنج، فيتمثل دور البيدق أو القلعة أو الفارس… إلخ، ليختصر كل زمان ومكان وكلام وسياسة في رقعة شطرنج وهمية لا يلاعبه فيها أحد.
يتميز عصام نعمان بولعه بالمحاضرات والندوات والمؤتمرات الصحافية. كما أن له ميلاً خفياً للعب دور الصحافي الكاتب والمحلل. فيخوض شؤوناً كثيرة ويحاضر بلا كلل، ودائماً بصوت عال، إصراراً على "الإفهام" والتبليغ. وحرصاً على جذب انتباه المستمعين الكلي. وهذا شأن الذين يظنون في كلامهم قيمة عظيمة، ويشكّون باستمرار في يقظة الجمهور وذكائه.
يمعن عصام نعمان في إعلاء صوته والنظر ملياً في مستمعيه، كما يفعل الرواة حين يصلون في سرد الحكاية الى ذروة مفصلية، أو كما يفعل الأساتذة حين يستعصي الفهم على تلامذتهم. بالتأكيد هذا ليس من سلوك المحامي النبيه والمقتدر. ولا نظن أن لديه حكاية لا يعرفها غيره، أو درساً يدركه وحده.
يكثر نشاط وزيرنا هذا، حين تطفو النقاشات الموسمية في قوانين الانتخابات والمواد الدستورية والتعديلات والاقتراحات. ورغم أن نعمان لم ينجح مرة في البروز كمجتهد قانوني من الصف الأول، إلا أنه لا يعدم مناسبة كهذه ليمارس هوايته بصوته العالي المعتاد. صوت رخيم وحاد يفتقر للإلفة، تماماً كمشاريعه السميكة، الكثيرة الورق والبنود والفقرات والأسانيد والمراجع… إلخ. والانتخابات دوائر ومربّعات، وعلى عصام نعمان في هذا المجال الخوض بقوة، حتى ولو اقتصر دوره، قسراً واضطراراً، على لملمة كل المشاريع وتقبلها وإرسالها، وتقديم مختصرات مفيدة وتعليقات وشروح (وهو موهوب بها)، بل حتى ولو اقتصر دوره على لعب دور الوسيط بين المقترحين والطباخين والمقرّرين.
هذا ولا شك كان يضع نعمان في زاوية محشورة أمام رئيس المجلس النيابي، صاحب كلمات السر جميعها.
في ذاك الوقت كان يمضي نعمان هاتفاً على أسلاك التلفون في كل جهة، غالباً عن المحاضرات التي لم تعد مجدية في زمن الموالاة.
ووزير الاتصالات، الذي صدّق ذات مرة شائعة إصابة الخلوي بفيروس "تشرنوبيل"، يحبّذ حلول "كلمة السر" محل القوانين، والشائعة محل السياسة، وهذا على ما نعتقد، مآل توكيل السياسة وتدبير الحكم الى الظلال والحكواتية