#dfp #adsense

المسيحيون والثورات العربية

حجم الخط

في غمرة الحراك السياسي الذي ساد ويسود المنطقة العربية، حيث شهدنا سقوط أنظمة أمنية كانت تعتبر نفسها عصية على شعوبها المقهورة.
وحيث لا نزال نشهد مكابرة أنظمة أخرى من النسيج ذاته (اليمن، ليبيا، سوريا…) تتباهى بإراقة دماء شعوبها على يد آلة أمنية مدمرة لطالما مارست هذا الدور وهي باتت على مشارف السقوط الكبير.

يُطرح السؤال المحوري التالي: ماذا بعد؟

وكيف سيكون شكل الأنظمة التي ستتشكل بنتيجة انتفاضات الشعوب العربية؟
سؤال كبير يطرح نفسه ويؤسس إما لمرحلة طويلة من الحرية والفكر والازدهار، وإما لحقبة سوداء أخرى ربما تشكل الضربة القاضية لشعوب هذه المنطقة وللحالة العربية جمعاء.

إذا نظرنا إلى شعارات الشباب الثائر التي أسقطت الأنظمة الحديدية، وفي استعادة حية للمشهد الديموقراطي الحضاري الذي عبرت الشعوب من خلاله عن تطلعاتها. نسجل التالي:
أ الحرية والديموقراطية كانا العنوانين الأساسيين الجامعين لكل المظاهرات في كافة الدول العربية.
ب المشاركة الجامعة في التظاهرات لجميع الأديان حيث التنوع القائم.
ج كثافة المطالبات بدولة مدنية تعبيراً عن وعي وانفتاح.
د الوحدة في الاستشهاد حيث لم تميز الآلة الأمنية التي فتكت بالمتظاهرين بين مسلم ومسيحي، أو بين علماني وديني.

أين نحن في لبنان مما جرى حولنا؟

إن لبنان هو الدولة الديموقراطية الأولى في العالم العربي تاريخاً وممارسة على الرغم من بعض القيود الطائفية استجابة لمخاوف أقلوية.
وعليه فإن المسار الحاضر لدى أشقائنا العرب يجب أن نلاقيه نحن اللبنانيين بتعاطف ودعم وإسناد. وبمعنى آخر، إن الأوهام والأكاذيب التي تحاول تسويقها لدى الأقليات جماعات الأنظمة الأمنية وأتباعها من المنتفعين والمتآمرين ومحاولة الترويج لحالة أصولية بديلة عن أنظمتهم البائدة وإيهام الرأي العام العربي والعالمي بأن إرهاباً أصولياً سوف يحل مكان (إرهابهم) لن ينطلي على أحد لأن الوعي بات سائداً والذاكرة حية ومآثر الأنظمة الظالمة لا تزال ماثلة.

لا بد أمام ما عرضناه من وقائع أن نلقي الضوء على هواجس الأقليات في الشرق الأوسط عامة وفي لبنان خاصة، لا سيما وأن دور المسيحيين كان ريادياً في هذه المنطقة لناحية خيار الانتماء العربي والانصهار برقي مع كافة المكونات الدينية والاجتماعية التي تتشكل منها، بالإضافة الى السعي الدؤوب والمستمر للمسيحيين لإطلاق فكرة التنوع ضمن وحدة القضية والانتماء إلى دول عربية ديموقراطية، حرة، تحفط أنظمتها حقوق المواطنين بالتساوي وبدون تمييز أو طغيان.

وهل أن خوف المسيحيين من حلول أنظمة طابعها ديني في مكانه؟
لا شك أن ما أصاب المسيحيين في العراق وأدى إلى تهجير معظمهم قد حصل بفعل فاعل أصولي كان النظام السوري المغذي الأساسي لعناصره. وكذلك فقد ثبت بالبينة القاطعة أن الاعتداء على كنائس الأقباط في مصر كان بفعل أجهزة النظام السابق وذلك لأهداف باتت معروفة.

أما مسيحيو سوريا الذين يحاول النظام الحالي توريطهم في مواجهة الشعب السوري المنتفض على الظلم والاستبداد تارة بالايحاء بأن الثورة ظاهرها اعتراض وباطنها إسلامي أصولي، وتارة أخرى بالزعم أن المسيحيين سيخسرون حقوقهم ويتعرضون للتهجير على أيدي الثوار إذا ما استلموا السلطة، وما اختيار وزير الدفاع مؤخراً من الطائفة المسيحية إلا ترجمة للسلوك الخبيث للنظام الحالي بغية تحريض الثوار هذه المرة بأن من يقمعهم ويقوم بقتلهم ويفتك بأطفالهم هم المسيحيون.

لا يا سادة النظام السوري المستبد لم تمر ألاعيبكم هذه المرة على أي من مكونات هذا الشعب البطل.
فذاكرة المسيحيين حية ولا تستطيعون تضليلها.

لقد شارك المسيحيون في تحرير سوريا من الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي وكانوا مدماكاً أساسياً في تأسيس الدولة حتى أتيتم وذهبت حقوق المواطنين جميعاً بمن فيهم المسيحيون لمصلحة حزب "البعث" ذي التكوين الأحادي.

إن المجازر التي ارتكبها هذا الحزب في حماه وتغاضى المجتمع العربي والدولي عنها آنذاك ارتكب أفظع منها في الأشرفية وجونيه وطرابلس وجل البحر.
أما المجرزة الكبرى فتمثلت باغتيال الهوية العربية لمصلحة المحور الفارسي فتم وضع اليد على لبنان وتغذية الانقسام لدى الفلسطينينن وزعزعة استقرار العراق وتهديد أنظمة مصر والأردن والخليج العربي وابتزازهم بشكل متمادٍ وإسقاط الجامعة العربية بفعل زعزعة مكوناتها.

إن هذا النظام الذي ارتكب هذه الفظائع بحق شعبه وأشقائه والهوية العربية لا يستحق إلا المحاسبة لكي تتحقق العدالة.
لأننا نعيش اليوم حالة أمل مؤادها إن زمن الإفلات من العقاب قد ولى إلى غير رجعة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل