كتب رامح حمية في "الأخبار": بارداً كان صباح دير الأحمر يوم أمس. فزيارة البطريرك بشارة الراعي يبدو أنها لم تبعث الكثير من الدفء في قلوب عدد من أبناء البلدة. الشوارع، على غير عادتها في مثل هذه المناسبات (زيارة البطريرك نصر الله صفير العام الماضي)، لم تزخر باللافتات والعبارات المرحبة، ما خلا تلك التي ذيّلت باسم النائب إميل رحمة، وبعض الجمعيات، وأخرى «تشكر كل من ساهم في الميني ماراتون»، أو تعلن عن «حفلة للمطرب مجيد الرمح». أما في قرى الزرازير والبليقة والمشيتية وعيناتا، فكان الأمر مختلفاً. لافتات مرحبة وصور للراعي على طول الطريق الممتدة بينها، بالإضافة إلى صور لمطران بعلبك ودير الأحمر سمعان عطا الله.
في أعالي ضهر القضيب، ومنذ الصباح الباكر، استقبل كهنة بعلبك ــــ دير الأحمر المارونية والنائب إميل رحمة ورؤساء بلديات المنطقة والمخاتير البطريرك، حيث جرى تسليمه مفتاح الأبرشية. الاستقبال الشعبي الأول كان في عيناتا أمام كنيسة مار سركيس وباخوس، حيث بدا هناك بوضوح أن شيئاً ما قد حدث. تجمعات صغيرة وهمس «وعمرهم ما يحضروا، شو مفتكرين البطرك لإلهم». عبارة يطلقها أحد أبناء البلدة في حديثه، ليشير إلى أن لافتات وقوس نصر قد «أزيلت ليلاً مع بعض اللافتات والصور، بعد تعليق إحدى الصور للبطريرك الراعي مذيّلة باسم النائب إميل رحمة». أحد أبناء البلدة، من جهته، أكد أن «زعرنات» حصلت ليلاً، وأن ضبط النفس كان ضرورياً «حتى ما ينفتح مشكل ونزعّل غبطته». وصول بطريرك «الشركة والمحبة» رسم ابتسامة على وجوه أهالي البلدة، فامتزجت الزغاريد بصوت أجراس الكنيسة، ونثرت الورود. الغياب اللافت كان لـ«القوات اللبنانية»، حيث لم تلمح «التيشرتات البيضاء» وصور الحكيم عليها بين المستقبلين، واختفت اللافتات والصور عن الأعمدة والمنازل. رئيس بلدية عيناتا فوزي رحمة غاب أيضاً، «لإصابته بوعكة صحية»، صباح يوم أمس، منعته من المشاركة في المناسبة، حسبما أوضح المطران سمعان عطا الله في كلمته، إذ رأى أن غيابه «غصة أخرى»، مضيفاً «إننا بحاجة إلى أن نبكي على خطايانا، فهذه المنطقة فيها قلوب محبة، سواء عند المسيحي أو المسلم». البطريرك، في كلمته، حيّا رعية عيناتا وابن البلدة إميل رحمة، شاكراً حفاوة الاستقبال ليطلق من بعدها حمامتين بيضاوين.
أهالي بلدة اليمونة أبوا من جهتهم إلا أن يستقبلوا الراعي عند مفرق بلدتهم مع المشيتية ــــ عيناتا، فتجمهروا ونحروا الخراف، وألقى محمد شريف رئيس البلدية كلمة ترحيبية، موجهاً دعوة للراعي لزيارة اليمونة. البطريرك، من جهته، الذي كان برفقته المطران شكر الله حرب ابن اليمونة، ثمّن ما قام به أهل اليمونة، مؤكداً زيارة البلدة «في المشوار المقبل». وأمل الراعي أن يعود الإمام السيد موسى الصدر إلى لبنان، والعمل على «طيّ الصفحة القديمة وفتح أخرى جديدة»، مشيداً «بجمال عيش اليمونة المصغر الإسلامي والمسيحي». ولفت البطريرك إلى أن لبنان يعاني الكثير من النزاعات وهو ما ينعكس حرماناً، لا فقط على دير الأحمر بل على اليمونة والمنطقة، وأن الحل «بوضع أيدينا بأيدي بعضنا لنحصل على الإنماء البشري والاجتماعي».
إلى المشيتية ــــ دير الأحمر، تابع البطريرك الراعي زيارته فاستقبله الأهالي بحفاوة كبيرة، وكذلك في البليقة ــــ الزرازير، حيث تطرق الراعي في كلمته إلى «الاختلاف في الرؤية والنظرة»، معتبراً أن ذلك «طبيعي». لكنه شدد في المقابل على أن هذا الاختلاف «فيما لو وصل إلى نزاعات، فكلنا نرفضه». رئيس بلدية البليقة ــــ الزرازير طعان حبشي أطلق، وكعربون وفاء للبطريرك اسم مزار البطرك الراعي على أعلى مزار في الشرق الأوسط في قمم الأرز على ارتفاع 2850 متراً عن سطح البحر.
وعلى الرغم من ارتفاع درجات الحرارة، تابع الراعي زيارته منتقلاً إلى دير الأحمر التي شهدت بعض تجمعات للأهالي على جوانب الطرقات ليصل بعدها إلى مطرانية دير الأحمر، حيث كان في استقباله رؤساء بلديات ومخاتير من المنطقة وعدد من الكهنة والرهبان والراهبات، إضافة إلى ممثلين محليين عن الأحزاب.
المطران سمعان عطا الله، في غداء المطرانية، ألقى كلمة شدد فيها على عدد من المشاكل التي يعانيها مسيحيو البقاع، وفي مقدمها النزوح والهجرة. وأضاف إن «راعي القطيع كان غائباً بسبب التنظيم الكنسي السابق، والدولة لم تحضر منذ أن أخذ لبنان استقلاله ففضّلت أن تطالب بعودة الفلسطينيين إلى أرضهم من أن تهتم بتثبيت المواطن اللبناني، وبخاصة المسيحي منه، في أرضه البقاعية». واستغرب أن الدولة التي كانت تدعى مارونية هي التي هجّرت العديد من البلدات المارونية إثر بعض الحوادث المخجلة التي كانت تقع بين فئة وأخرى. والمشاكل التي أتى على ذكرها عطا الله تداخل العقارات، متسائلاً: «من يعيد السلام الذي فقد بين الإخوة، ومن يبني المحبة التي جفّت بين أبناء البلدة الواحدة؟ إذ من المفترض أن نرجع إلى روحنا المسيحية».