تابع اللبنانيون باهتمام بالغ الحوادث الأمنية المتفرقة التي وقعت في الأيام الأخيرة، من الاعتداء على اليونيفيل وانفجار الرويس مرورا بمتفجرة أنطلياس، وصولا الى الإشكالين الأمنيين في إهدن والسعيدة في البقاع.
والمفارقة المذهلة في كل الحوادث الأمنية المذكورة كيفية إصرار بعض الأجهزة على الكيل بمكيالين في التعاطي مع الحوادث المذكورة. ففي قضية الاعتداء على اليونيفيل لا موقوفين ولا مداهمات ولا معلومات، بل مجرّد رسالة بريدية متفجرة عبر القوات الدولية الى فرنسا وسواها من الأوروبيين.
وفي انفجار الرويس لا مداهمات ولا تحقيقات ولا معلومات سوى ما يصدر عن "حزب الله" من بيانات، وعلى الأجهزة الأمنية أن تتقيّد بها وتعمّمها وتغطيها.
وفي متفجرة أنطلياس لا مداهمات لمنزلي القتيلين، ولا استدعاءات لأقاربهما وأصدقائهما ولا توقيفات. وحتى لو كان الأمر لا يتعدى انفجار قنبلة يدوية كما تزعم وسائل إعلام "حزب الله" أفلا يستدعي ذلك مداهمات منزلي القتيلين للتأكد من فرضية أنهما من هواة جمع القنابل اليدوية واقتنائها والتنزه بها في الأماكن المأهولة؟! وبغض النظر عن كون الجريمة إرهابية أم شخصية ألا يستدعي الأمر إجراء كل التحقيقات اللازمة ووقف العصابة المفترضة ذات الصلة في موضوع تجارة السيارات التي تصفّي حساباتها المالية بالقنابل اليدوية؟
أم أن الأمر "طبيعي" كما قال عناصر الجيش للمواطنين الهاربين من رصاص آل زعيتر في منطقة السعيدة؟ "طبيعي" أن تتم تصفية الحسابات العائلية والعشائرية بمختلف أنواع الأسلحة ويتحوّل الجيش الى "شيخ صلح" حين تسمح له العشائر وذلك بسبب التغطية من قوات الأمر الواقع؟
في المقابل فإن الإشكال الفردي بكل ما للكلمة من معنى على خلفية أغان وتضارب وتبادل لإطلاق النار بأسلحة عائدة للحرس أمام قصر آل فرنجية جعل الجيش يقوم بمداهمات شاملة (وهذا حقه ونحن ندعمه) لمنزل ذوي نعيم الدويهي ومصادرة بنادق الصيد الموجودة إضافة الى مداهمة منزل ثانٍ يعود للعائلة في الجرد ومصادرة بندقيتي صيد أيضا، مع العلم أن الدويهي لم يكن يحمل أي سلاح خلال الإشكال وهو أطلق النار على الحراس دفاعا عن نفسه بعدما تمكن من نزع إحدى بنادقهم الحربية وبعدما أطلقوا النار عليه.
لماذا يتمكن الجيش من القيام بواجباته مشكورا في إهدن وسواها الكثير من المناطق ويكون ممنوعا ومحظورا عليه القيام بواجباته في مناطق نفوذ "حزب الله"؟
ملاحظة أخيرة: في قضية الأستونيين السبعة كان لقوى الأمن الداخلي وفرع المعلومات دور بارز في ملاحقة الخاطفين ومطاردتهم وكشف تفاصيل أساسية أدّت الى الإمساك بالخيوط التي أثمرت لاحقا الإفراج عنهم، وذلك بشهادة الشرطة الأستونية. وهذا يؤكد مرة جديدة أن القوى الأمنية حين يكون قرارها ذاتيا وغير خاضغ لضغوط من قوى الأمر الواقع تتمكن من القيام بواجباتها كاملة.
ولذلك، فإننا نكرر أن سياسة الكيل بمكيالين واعتبار أن ثمة فئة في لبنان فوق كل القوانين ويحق لها أن تلهو بالسلاح حيثما تشاء وترتكب الجرائم، في مقابل فئة أخرى هي تحت القانون تتم ملاحقتها لأقل سبب هي أمر لا يدعو الى الارتياح على الإطلاق، ويذكر بعهد النظام الأمني السوري- اللبناني البائد والذي أسقطه اللبنانيون في 14 آذار 2005 يوم كان النظام البعثي في سوريا لا يزال في أوج قوته، وهم لن يسمحوا أبدا بعودة عقارب الساعة الى الوراء، وخصوصا حين يكون النظام البعثي يتهاوى في سوريا نفسها تحت أقدام الثوار السوريين الأحرار.