كتبت ربى كبارة في صحيفة "المستقبل": يرتفع منسوب إرباك "حزب الله" وتوتره مع نشر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أجزاء رئيسية من مضمون القرار الإتهامي باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كونه يؤشر إلى قرب انطلاق المحاكمة الغيابية لأول دفعة من كوادره، فيما تظهر بوادر تصدّع في حكومة حلفائه وفيما تتواصل الثورة على حليفه النظام السوري رغم كل عنف القمع الدموي لها.
فالمحاكمة الغيابية يمكنها أن تنطلق بعد نحو أقل من شهر ونصف لأن قواعد الإجراءات والإثباتات تحدّد المهلة القانونية بثلاثين يوم عمل، يبدأ احتسابها منذ نشر أسماء المتهمين عبر الانتربول الدولي. فالنشر يوازي التبليغ الذي عجزت الحكومة، التي يهيمن عليها "حزب الله"، عن تنفيذه.
وأتى النشر مجتزأً "لارتباطه بمسائل يمكن ان تؤثر في تحقيقات المدعي العام الجارية وكذلك في خصوصية وامن المتضررين والشهود".
ولا يشير ما نشر من مضمون القرار الاتهامي إلى تورط "حزب الله" كمنظمة في الاغتيال، لكنه يؤكد أن المتهمين الاربعة "مناصرين" له تم تدريبهم على يد جناحه العسكري الذي سبق له القيام بعمليات ارهابية، وهمّ الذين أكد الحزب موقعهم البارز في صفوفه وأوصلهم الى مصاف "القديسين".
فمن دلائل ارباك "حزب الله" اطلاقه، قبيل نشر مضمون القرار الاتهامي، حملة شعواء غير مسبوقة على "تيار المستقبل" وصلت حدّ اتهامه بلسان الرجل الثاني فيه الشيخ نعيم قاسم بأنه "ميليشيا مسلحة يهرّب السلاح الى سوريا لزعزعة النظام" مذكراً مجدّداً بمعادلة الخيار بين العدالة والاستقرار التي طالما دأب على استخدامها باعتبار انعكاساتها قد تطاول دولاً اخرى في المنطقة.
وبسبب حالة التوتر التي يعيشها رغم احتفاظه بسلاحه تناسى "حزب الله" أن ورقة الابتزاز هذه فقدت مصداقيتها كأداة لفتنة سنيّة-شيعية بعد إعلان المحكمة الدولية إرتباط اغتيال الحريري باغتيالات أخرى لاحقة طاولت شخصيات مسيحية ودرزية مما يدرجها في اطار استهداف خط سيادي واضح. وخلافا لعادته لم ينكفىء "تيار المستقبل" بهدف استيعاب التوتر بل ردّ بعنف معتبراً في بيان صادر عن كتلته النيابية انها " محاولة بائسة وفاشلة من الحزب (…) بعدما اتّسعت المشكلات التي يواجهها".
ولم تحل اجواء التوتر دون إسداء الرئيس سعد الحريري النصح ل"حزب الله" وقوله في بيان صدر بعد نشر مضمون القرار الاتهامي "نتطلع بكل صدق وأمانة إلى موقف تاريخي من قيادة حزب الله، ومن السيد حسن نصر الله خصوصا، لوضع حد ٍلسياسات الهروب إلى الأمام، وإلاعلان عن التعاون التام مع المحكمة الدولية بما يؤدي إلى تسليم المتهمين والمباشرة في إجراء محاكمة عادلة".
كما سبق نشر مضمون القرار الاتهامي حوادث أمنية يتوقف على نتيجة معالجتها مصير الحكومة، التي جهد "حزب الله" ودمشق لقيامها بعد انطلاق الثورة السورية، والتي بدأت ظواهر تصدّع تتجلى بين حلفائها من اطراف الفريق الواحد اضافة الى أن المجتمع الدولي ينتظر خطواتها العملية للتأكد من تعاونها مع المحكمة الدولية.
فقد شهد معقل "حزب الله" في ضاحية بيروت الجنوبية تفجيرات أبعدت عنها الاجهزة الامنية الرسمية اضافة إلى تفجير ملتبس في أحد ضواحي بيروت المسيحية أشاع الخوف من كونه منطلقاً لسلسة تفجيرات او اغتيالات جديدة وهروب موقوفين من تنظيم "فتح الاسلام" من سجن رومية بعد الافراج بكفالات مالية عن عدد أخر منهم.
فقد هدّد النائب ميشال عون، الذي يحتكر تكتله وحلفائه المقاعد الوزارية المسيحية، بترك الحكومة إذا لم توافق على مشروعه في ملف الكهرباء بقوله "إذا أرادوا أن نبقى معهم فنحن ما زلنا ملتزمين بالخيارات الكبرى وخصوصا المقاومة، ولكن إذا لم يمشوا بالمشروع فنحن لن نبقى في الحكومة".
بالمقابل يجهد "حزب الله" للحفاظ على الحكومة رغم خلافه الظاهري آنيا مع رئيسها نجيب ميقاتي بشأن التعاون مع المحكمة الدولية. فهو يستمر في اعتبارها "اسرائيلية-اميركية" فيما يؤكد ميقاتي التزامه التعاون معها، معطياً بذلك رئيس الحكومة نجيب ميقاتي فترة سماح تمتدّ حتى اول خطوة عملية تعني التعاون مثل استحقاق التمويل او التجديد للقضاة اللبنانيين.
في هذه الأثناء يزداد النظام السوري ضعفاً وعزلة مع فشله بعد خمسة اشهر في وقف المطالبات بإسقاطه رغم قمع دموي لم يترك له فعلياً سوى حليف وحيد هو ايران. فبعد ابتعاد الدول الاوروبية والولايات المتحدة عنه وبعد مرونة مستجدّة في الموقف الروسي الذي كان داعما له بالمطلق، تخلّت عنه أنظمة عربية طالما ساندته مثل السعودية والدول الخليجية إضافة إلى تركيا.
وطاول القمع السوري للمرة الأولى مخيماً للاجئين الفلسطينيين في اللاذقية. وجرى ذلك قبل أيام قليلة على زيارة الرئيس محمود عباس لبنان الذي يرئس في أيلول الدورة العادية لمجلس الامن الدولي في الوقت الذي تعتزم فيه السلطة الفلسطينية انجاز الاعتراف بدولة فلسطين أقله في الجمعية العمومية للامم المتحدة.