#dfp #adsense

كتاب مفتوح إلى خادم الحرمين الشريفين رسالة من مواطنة لبنانية عربيّة: «وا عبد الله»

حجم الخط

جلالة خادم الحرمين الشريفين، أتوجه إليك من مواقع إنسانيّة أربعة، كمواطنة لبنانيّة وكعربيّة، وكإنسانة من هذا الجنس البشري الذي كرّمه الله على العالمين، وكمسلمة يهوي فؤادها كما سائر المؤمنين إلى البلد الحرام بمكّة المكرّمة، وتحنّ روحها كالجذع أنيناً مشتاقاً لمدينة رسول الله المنورة وحرمه الشريف، بهذه الأربع أتوجه اليك، فقد ربّانا الصادق الأمين بقوله الشريف:

عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به» (رواه الطبراني والبزار، وإسناد البزار حسن) [13554 مجمع الزوائد ومنبع الفوائد]، فهلّا يقول لنا كيف نبيت نحن شعب لبنان، وإخواننا شعب سوريا يبيتون خائفين أو محاصرين أو مفقودين أو مضرجين بدمائهم قتلى، أو ممنوعون من إقامة فرائض الله في مساجدهم، ومن يفسّر لنا هذا الصمت الموجع الذي يلفّ العالمين العربي والإسلامي، والذي لم تخرج فيه مبادرة تسعى لحقن دماء الشعب السوري، مع أن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة الشريفة.

أدركنا حقبتك يا خادم الخرمين الشريفين، بمواقف جليلة وجميلة وأصيلة، من جامعات العلم، وأخذك بيد الاعتدال والإصلاح، وأدركناك في السياسة رجل «صلح» ينهض بتبعات الأمة لأنه كبيرها، وأدركنا مبادرتك الأبويّة كلّها لإصلاح ذات البين في مواقف كبرى، وأدركنا صرخة الحقّ التي أطلقتها لوقف العنف وإراقة الدماء في سورية والتي ارتجّ لها العالم الإسلامي، واهتز لها الداخل السوري تقديراً وشكراً، ولكن يا صاحب الجلالة، فجعنا من جديد بالعنف غير المسبوق في عرف الأنظمة في تقتيل شعوبها، وفجعنا بالصمت الذي عاد يُخيم من جديد…

يا صاحب الجلالة؛ القهر الذي عايشته أجيال الخمسينات والستينات وكلّ العقود اللاحقة بفعل ضياع فلسطين وقضيتها، أتاحت أن ينبت «الإرهاب» و»التطرّف» بين ظهراني المسلمين في مرتع جهل وفقر وظلم، وما يشاهده العرب اليوم من أحداث دموية في سوريا ستخلق أجيالاً أكثر حقداً وإرهاباً تنزع إلى الانتقام من كلّ المتفرجين على دماء الشعب السوري، على أطفاله المقتولين ونسائه ورجاله المذلولين، وشبانه المغدورين، أما في الداخل السوري فستنشأ أجيال تنظر إلى مواطنيها العرب نظرة احتقار واتهام بالتواطؤ والخيانة، فكم من الأجيال ما زال بإمكان العرب أن يُضيّعوا بعد، بعدما بات الإحساس بالخجل وخذلان الملهوف والمستغيث والمستجير، ضاربين بقيم ديننا القيّم عرض حائط المصالح السياسية.

بالأمس كانت ليلة ذكرى مباركة وطيّبة ليلة نصر عظيم للرسول صلوات الله عليه ولثلّة قليلة هم السابقون في الإسلام {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة – الآية} [آل عمران 123]، ليلة استغاث فيها الرسول صلوات الله عليه والمسلمون بربهم، وهم قلّة في الأرض إن قضيَ عليهم لن يُعبد الله في أرضه أبداً، فجاء المدد الإلهي بالملائكة أمد الله تعالى أهل بدر بخمسة آلاف من الملائكة منزلين، وبالأمس أيضاً كان المسلمون حول العالم يشعرون أنّهم أذلّة، فها هو الصومال الجائع، وها هي سوريا الذبيحة، وفلسطين الشقيّة بقدر ضياعها ما زالت على حالها..

ذات يوم من تاريخ المسلمين المشرق بلغت استغاثة امرأة مسلمة مسمع خليفة المسلمين المعتصم وهي تستغيثه: «وامعتصماه» فهبّ لنجدتها، وأنت كبير العرب، وخادم الحرمين المكرمين الطاهرين، والمملكة قبلة وجوه العرب والمسلمين في ملمّاتهم، الشعوب العربية أذلّها وأدماها منظر الدم السوري يراق والعين ترقب ولا تدمع والأذن تسمع ولا تحزن، والقلوب واجفة ولا تخشع…

«وا عبد الله»، لا نريد شيئاً سوى إيقاف إراقة دم الشعب السوري حباً بالله ولبقيّة كرامة وإنسانيّة لهذه الأمة، كثيرون منّا في لبنان يشعرون أنهم يقتلون من جديد، كلّما شهدوا مقاتل السوريين ومصارعهم في مدنهم تذكّرنا ما فُعِلَ بنا وبلبنان، وكان العالم العربي صامتاً أيضاً… فهل من مجيب بعد الله ورسوله، للسوريين وللعرب من القتل اليومي الذي يشاهدونه على الشاشات، بتنا نشاهد الرجال يلفظون أنفاسهم وينقطون بالشهادة أمام نظر العالم الصامت كشيطان أخرس!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل