كتبت لينا فخر الدين في صحيفة "اللواء": بعد سقوط حكومته، يراجع العونيون ألبوم الصور الذي جمعهم مع الرئيس سعد الحريري يستذكرون تلك الأيام الخوالي التي قضاها وزراء "تكتّل التغيير والإصلاح" في السرايا الحكومية، يقفون على "الأطلال السياسية" متمنين عودته القريبة، إذ أنهم تنبّهوا مؤخراً أن التعاون مع رئيس الوزراء السابق وعلى الرغم من العداوة السياسية التي كانت بينهما، أسهل بكثير من التعاون مع الرئيس الحالي.
فبين رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي ورئيس "تكتّل التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون حكايةٌ طويلة إسمها "فقدان الكيمياء بين الرجلين".
لم تبدأ فصول هذه الحكاية منذ أن أزاحت الجلسة النيابية الماضية التي طُرح خلالها ملف الكهرباء الستار عن "الماس الكهربائي" في العلاقة بين الرجلين إذ أنها ليست "قصة رمانة وإنما قلوب ملآنة".
فهذ العلاقة المتوترة كانت قد رست قواعدها عندما علت أسهم ميقاتي في السوق السياسية كرئيس لمجلس الوزراء، وتفاعلت أحداثها في رحلة التأليف حينما تأكد الطرفان أن التعايش يكاد أن يكون مستحيلاً بين جدران السراي الحكومي، غير أن عون عضّ على الجرح مجاراةً لحلفائه وليس بقناعة منه أن ميقاتي هو الرجل المناسب في المكان المناسب.
وفي المعلومات المتوافرة لـ"اللواء" فإن سكوت ميقاتي عن ملف الكهرباء في مجلس النواب والذي لم يكن بالطبع علامةٍ للرضى، قد أثار زوبعة في أوساط "التيار الوطني الحر" وسُمع عون لأول مرة "يترحّم" على الأيام السعيدة التي كان فيها الحريري رئيساً للوزراء.
وتشير المعلومات إلى أن العونيين يجاهرون بعدم تكيّفهم مع نمط ميقاتي الوسطي، فهو على حدّ وصفهم "إنسان غامض لا نعرف ماذا يريد وكيف نأخذ منه ما نريد"، على عكس الحريري الذي كان العونيون قد أوجدوا معه صيغة للتفاهم، إذ أنهم كانوا يفقهون التعامل معه على قاعدة "خذ وهات" أو أعطنا ما نريد نعطيك ما تريد.
وفي خضمّ تحليلاتهم ومقارناتهم، يقرّ العونيون بعدم موافقتهم منذ البدء على ميقاتي لتشكيل الحكومة "فنحن لم نثق به ولم نتحمّس أو نطمئن له، ولكننا قبلنا بتسميته نتيجة تحالفاتنا التي فرضت ذلك، بالإضافة إلى أن الكيمياء بيننا وبينه مفقودة".
ويوماً بعد يوم يتأكد العونيون أنهم "كانوا على حق" معددين للوقائع التي كان أولها مرحلة التأليف التي رفض خلالها ميقاتي أسلوب تدوير الزوايا ولم يدخل بمساومات أو تنازلات تذكر، ثم تبعها تشبّث ميقاتي بحماية الموظفين السنّة الستة والذي قطع الشكّ باليقين وزاد الطين بلة في العلاقة المتوترة بين الطرفين "حتى الحريري نفسه لم يجرؤ على المجاهرة بهذه الحماية وبمثل هذا التحدّي"، وأتت الجلسة النيابية الأخيرة لتؤكد المؤكد ولترفع الأوساط العونية صوتها في الحديث عن عدم ثقتها بميقاتي.
وبالإضافة إلى كل تلك الوقائع، فإن العونيين يعربون عن قلق زائد حيال ما فعله رئيس الحكومة في الآونة الأخيرة، فهو أعطى التوجيهات للقضاء طالباً منه البتّ بملفات الموقوفين في ملف فتح الإسلام وإطلاق سراح من ثبتت عدم إدانته، وهو ما أثار حفيظتهم مردّدين في ما بينهم "السنيورة والحريري لم يقوما بذلك، فكيف هو يفعلها؟".
وتؤكد أوساط "التيار الوطني الحرّ" أن إطلاق سراح هؤلاء الموقوفين يقلقهم ويطرح علامات إستفهام كثيرة حول علاقة ميقاتي بالسلفيين، غير أن هذا القلق يبدو اصطناعياً فهي تظهر كـ"كذبة" جميلة أراد العونيون تصديقها واستثمارها كسلاح أبيض يفتح شهية الشارع المسيحي، إذ يعمل العونيون على تضخيم هذا الملف إعلامياً بغية استخدامه سياسياً.
وفي السياق عينه، فإن مقولة "نحن نريد إسقاط ميقاتي" قد تكون أمنية لطالما تمناها العونيون أكثر من قوى الرابع عشر من آذار أنفسهم غير أنهم يدركون جيداً أنه "ما باليد حيلة". ففي الآونة الأخيرة أطلق العونيون "مفرقعاتهم النارية" ملوّحين بالإستقالة من الحكومة، والتي لم تكن سوى كلام في الهواء لجسّ نبض الأطراف الحكومية الأخرى بإمكانية التراجع عن خيار ميقاتي، وهدّد الوزير العوني جبران باسيل بالأمنية عينها. ولكن وبعد ساعات قليلة وصل الردّ واضحاً إلى مسمع "التيار الوطني" الذي عوتب بكلام شديد اللهجة على تصريح باسيل الذي وصفه هؤلاء بـ"غير المسؤول"، مضيفين: "ما من بدائل عن ميقاتي فالخيارات الداخلية والخارجية معدومة في الوقت الحالي".
وبالتالي تراجع العونيون عن الكلام بموضوع الإستقالة تحت حجّة "لم نكن نقصد"، وانصرفوا إلى ممارسة المعارضة ضمن السلطة ليحاول عون تجربة اسلوب جديد ليفرض على ميقاتي المسار الذي يرضيه "بالحسنى" والتي سيكون أول استحقاقٍ فيها هو ملف الكهرباء. هذا الملف الذي سيعرض خلال جلسة مجلس الوزراء المقبلة سيشكّل فرصة ذهبية لرئيس الحكومة ليضبط خلالها سيوف المعارضات الداخلية بشروطه، والتي سيكون أولها ضبط عملية الإنفاق، إذ أن ميقاتي لم يرفض خطة الكهرباء المقدّمة من دون سبب وإنما اعتبر أن طرحها على مجلس النواب مباشرةً هو مخالفة دستورية وتجاوز لمجلس الوزراء مجتمعاً، مشيراً إلى أن صرف مبلغ كهذا يجب أن يخضع لرقابة مسبقة، لأن أي خلل سيعرّض رئيس الحكومة للمساءلة والمحاسبة.
وبحسب مصادر وزارية مطلعة، فإن ميقاتي وباسيل يجريان معاً نقاشات معمقة حول الضوابط التي يجب أن تعتمد في موضوع الصرف، واتفقا أن يقدّم وزير الطاقة خطة مفصّلة عن الإنفاق ، والتي اعتبرها ميقاتي شرطاً أساسياً لتمرير هذا الملفّ.
عملياً، نجح ميقاتي في فرض أسلوبه وخياراته على التيار الوطني الحر، بل وأربك هذا التيار مراراً بدفعه للتراجع التدريجي عن طموحات العماد عون العلنية، خصوصاً أن ميقاتي لم يستسلم ولم يضعف أو يتنازل أمام عون، ربما لأن رئيس الحكومة ليس في وارد تقديم تنازلات عن صلاحيات ولو محدودة لرئاسة الحكومة، أو ربما لأن ميقاتي ليس في وارد التمسّك بكرسي رئاسة الحكومة على حساب موقع رئاسة الحكومة، وهو الذي كان يتحفّظ على التنازلات التي قدمها سلفاه الرئيسان فؤاد السنيورة وسعد الحريري تحت ضغط العماد عون والرغبة بالاحتفاظ بالكرسي.
لكن كل ذلك لا ينفي أن الكيمياء مفقودة بين ميقاتي الهادئ وبين عون الهائج، فالرئيس ميقاتي فرض إيقاعاً مختلفاً عن من سبقوه في رئاسة الحكومة، وهو إيقاع يتسم بالصمت ودفع الآخرين لكثرة الكلام والوقوع في الأخطاء والمطبات التي تؤمن له فرصة جيدة لاستيعاب الهجمات والرد عليها في توقيت مدروس ولغة هادئة وحاسمة وصلبة تؤمن له فرض منطقه. أما العماد عون فيتسم أداؤه السياسي بالعسكريتاريا التي تفرض عليه ارتداء بذّة الميدان بشكل دائم، وبالهجوم المتواصل تحت وابل من غزارة القصف السياسي، من دون أن ينتبه إلى أن الأرض أمامه مليئة بالألغام.
هي إذاً قصة كيمياء مفقودة بين الرجلين، والجمع بينهما لم ينتج إلى اليوم إلا مزيداً من التناحر، وإلى تزايد المسافة الفاصلة بينهما.