أيّ خيار سيذهب إليه “حزب الـله”؟

السؤال مطروح منذ أشهر: ماذا سيفعل "حزب الله" إزاء أزمته المزدوجة، مأزق النظام في سوريا والمحكمة الدولية؟

في خلال هذه الفترة، خرج المعنيون بملاحظات واستنتاجات متناقضة. وساهمت الأوساط القريبة من "الحزب" في ترسيخ هذا التناقض. ففي مقابل الرسائل الهادئة بالتزام الخصوصيات اللبنانية والعمل تحت سقف الحكومة والمؤسّسات، تَعمَّد بعض الأوساط تعميم "السيناريو الأقصى" الذي يمكن أن يلجأ اليه "الحزب" وحلفاؤه "عند الحاجة"، أي "تحطيم الهيكل على رؤوس الجميع"، وفق مقولة "عليّ وعلى أعدائي يا رب"، إذا ما تبيّن له أنّ لا شيء باقياً عنده ليخسره!

بعض الذين تواصلوا مع أركان "حزب الله" والقريبين منه، في خلال الفترة الأخيرة، سعوا الى طمأنته والإطمئنان منه على حدّ سواء. فهناك الكثير من الهوامش التي تتيح له تجنّب الدخول في المجهول. وراهن كثيرون على أن "حزب الله" يمتلك مقدارا وافيا من الحكمة لعدم الذهاب إلى المغامرات المكلّفة للجميع. وأنه عندما يواجه اهتزازا في منظومة الحماية الإقليمية سيختار منظومة الحماية الداخلية، أي اللبننة. وأنه عندما يواجه استحقاق "انفجار الحقائق" في المحكمة الدولية سيختار الاحتماء وحماية البلد من الفتنة، وسيقبل بخفض سقفه والانخراط في التسوية الكبرى. وسيكون ذلك مناسبة لحسم التفاهم على كل شيء: العدالة والسلاح والخيارات السياسية.

حتى اليوم، يتّسم سلوك "حزب الله" إزاء الملف السوري بالحدّة في التزام جانب النظام. وهذا طبيعي بحكم الانتماء الحيوي الى محور واحد. ولكن، ليست هناك مؤشرات ملموسة حتى الآن الى أن "الحزب" يتجاوز الدعم السياسي للنظام، على رغم الاتهامات التي يوجهها الشارع السوري إلى "الحزب" بالمشاركة في أعمال القمع. وهذا "الانضباط" يبعد نسبيا هواجس انتقال الشرارة من سوريا الى لبنان. وعلى رغم أن الأوساط والأجهزة الحليفة لـ"الحزب" تصرّ على سيناريوهات الدعم المسلح من "تيار المستقبل" في اتجاه سوريا، فإن مقدار التوتر اللبناني- اللبناني على خلفية المأزق السوري ما زال منسوبه مقبولا.

لا مراجعة… ولا تراجع!

إلاّ أن الهواجس الحقيقية بدأت تطلّ منذ يومين، من خلال الملف الداخلي الساخن، أي المحكمة، بعد نشر الأجزاء الواسعة من القرار الاتهامي. فالردّ الذي أظهره "الحزب"، وعبّر عنه خصوصا أمينه العام السيد حسن نصرالله، لا يؤشر الى مراجعة يقوم بها إزاء مقاربته لملف المحكمة خصوصا، والوضع الداخلي عموما. فهو حمل استمرار التشكيك والتحدي للمحكمة والوقائع الواردة في القرار الاتهامي، بحيث لا يبدو أن هناك اتجاها الى مقاربة واقعية تنطلق من الرغبة في الالتفاف على المخاطر الآتية.

وتخشى مصادر سياسية أن يتابع "الحزب" سياسة الهروب الى الأمام، بدلا من القيام بالمراجعة المطلوبة. وأن يدفع الأزمة الى مكان أكثر سخونة وخطرا، متجاوزا الفرص المتاحة في هذا المجال. وبين هذه الفرص تلك التي تحدّث عنها نصرالله قبل عام، عندما أشار الى طرح من جانب الرئيس سعد الحريري عليه، يقضي باعتبار العناصر التي يثبت ضلوعها في اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري "غير منضبطة". وهو ما ينزع عن "الحزب" أي صفة، ويريح الوضع المذهبي في زمن الغليان الإقليمي.

لعب الورقة الحكومية

وأوحى ردّ "الحزب"، قبل يومين، بأنه ليس في وارد التراجع أو الاعتراف بالمحكمة على رغم ان ما قدّمه القرار الاتهامي "كاف لانطلاق المحاكمة". وهذا يؤشر إلى أزمة قد تقع بين لبنان والمجتمع الدولي. فثمة نقاش اليوم داخل المحكمة في إعطاء لبنان فرصة جديدة للبحث عن المطلوبين الأربعة وجلبهم الى المحاكمة. وإذ يصف رئيس المحكمة أنطونيو كاسيزي جهود الحكومة حتى اليوم بأنها "معقولة"، فهو يدعوها الى بذل المزيد. ويتردّد أن كاسيزي- إذا لمس سلوكا غير مبرّر من جانب هذه الحكومة في هذه المهمة- قد يلجأ في نهاية الأمر الى تقديم إشعار الى مجلس الأمن، يورد فيه أن الجانب اللبناني لم يضطلع بواجباته تماما إزاء المحكمة، وأنه رضخ لرفض "حزب الله" العلني تسليم أي عنصر. ويطرح ذلك احتمال إدراج هذا الرفض في خانة اللجوء الى أحكام الفصل السابع من نظام الأمم المتحدة. وسيكون على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مواجهة تداعيات موقف "الحزب"، على رغم حرص رئيسها على الموقف الوسطي بين "الاحترام" و"الالتزام".

وقد يعمد "حزب الله" الى التخلّص من الحكومة وتحويلها حكومة تصريف للأعمال، إذا ما ارتأى ان ذلك يساهم في تخفيف الضغوط عنه وإضاعة المسؤوليات، على غرار ما كانت عليه حكومة الحريري طوال خمسة أشهر، قبل تشكيل الحكومة الحالية. وتهديد العماد ميشال عون بالانسحاب من الحكومة تحت "العنوان الكهربائي" قد يصبح المدخل الى تحقيق ذلك الهدف. وسيكون خيار إسقاط الحكومة الحالية اضطراريا في حال اعتماده، لأن "الحزب" يستفيد اليوم منها كمظلّة واقية.

وتعتقد الأوساط أن "حزب الله" ليس في وارد تنفيذ التهديدات التي أطلقها القريبون منه سابقا بتكرار 7 أيار 2008 واستهداف "اليونيفيل"، في حال ورود أسماء لعناصر منه في القرار الاتهامي، لكنه على الأرجح سيتابع طريق الهجوم، سياسيا على الأقل، باعتباره "أفضل وسيلة للدفاع".

وهذا النهج هو عينه الذي يعتمده حلفاؤه الإقليميون في دمشق وطهران في مواجهة الأزمات الداخلية والتعاطي مع الفرص والمبادرات. ومن البديهي أن يعتمده هو أيضا من باب التماهي بينه بين هؤلاء الحلفاء.

ولن تكون هناك فرصة للخروج من أَسْر هذا المنطق إلاّ في انتفاضة ذاتية يقوم بها "الحزب" وحلفاؤه. وهذه الانتفاضة تقتضي اقتناعا بأن أكلاف التسويات الواقعية، مهما كانت مؤلمة، تبقى قليلة إذا ما قيست بأكلاف المغامرات.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل