في الثامن عشر من شهر شباط الماضي، كان عنوان هذا الهامش «النظام يحزم أمتعته ـ سلامات يا راس»، يومها فرضَت الثورة الليبيّة نفسها على صدارة مشهد الأحداث في العالم العربي، بعدها وفي شهر أيار كتبنا في هذا الهامش للمرة الثانية: «النظام يحزم أمتعته ـ سوريا والزائر الأخير، فكتبنا: «بالأمس زار دمشق والتقى الرئيس السوري وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان، ما أشبه أيار السوري بفبراير المصري، من شدّة تسارع وتيرة الأحداث وذعر الأنظمة لم تعد تجيد قراءة تكرار السيناريو!!»…
وما أشبه السابع عشر من آب السوري بالمشهد الليبي، والمصري والتونسي قبله، لقد أضاع النظام السوري كلّ فرص نجاته، الواحدة تلو الأخرى، بوعوده «الوهمية» التي مارسها طوال ثلاثين عاماً في لبنان، واختلطت عليه الأمور فظنّ أن ما كان ينفع في ثمانينات القرن الماضي في الألفيّة الثانية، ما زال نافعاً مع بداية العقد الثاني من القرن الحالي في الألفيّة الثانية!!
ولنا عودٌ على بدء مع أول سطر خططناه أشرنا فيه إلى اقتراب سقوط النظام السوري بناءً على محدوديّة رؤيته واتكاله على أساليب ورثها الحاكم الابن عن الحاكم الأب، من دون أدنى إدراك لأن لكلّ عصر طبائعه، وأن صمت الآباء على القمع عقوداً طويلة شكّل الحافز الرئيسي لرفض الأبناء أن يكونوا صورة مكرّرة من آبائهم، وعندما سنحت لهم بارقة «الحرية» انتفضوا… أما سطرنا الأول في سلسلة حزم الأنظمة لأمتعتها فكتبنا فيه: «من لم يَمُتْ بالشِّعْبِ ماتَ بغيرِهِ/ تعدَّدتِ الأنظمةُ والشَّعْبُ واحدُ»…
وقيّد الله لهذا النظام بطانة بلهاء كاذبة غشّاشة منافقة، خرجت يومياً كالببغاوات البلهاء على شاشاته تتحدث عن قوّته وإصلاحاته الوهميّة، بل قيّد الله لهذا النظام محللين من أمثال الذين ردّوا على دعوات تنحي الرئيس السوري المتتالية بالأمس بأن هيلاري كلينتون تنتقم من النظام القوي في سوريا بسبب خلافاتها مع زوجها بيل!! وقيّد الله لهذا النظام حلفاء «أفّاقون» ، «كذّابون»، يبادلونه امتطاء بامتطاء، فكان كلّ منهما مطيّة للآخر، بل قيّد الله لهذا النظام إعلاميون لا يتورّعون عن التأكيد أن النظام لن يسقط مستدلّين على ذلك بتحليل لأنيس النقاش عضو الحرس الثوري الإيراني الذي تحوّل من منفّذ عمليات اغتيال إلى محلل استراتيجي في زمن سطوة قديسي حزب الله ومعصوميه في لبنان!!
في شباط الماضي كتبنا في هذا الهامش، غامزين من قناة النظام السوري الذي ظلّ يظنّ أنّه سيكون بمنأى عن صحوة الشعوب التي هبّت من رقدة العدم: «السفّاحون المختبئون خلف أقنعة الرؤساء يتسابقون لإعلان أنهم لن يترشّحوا للرئاسة لدورة جديدة، إلا واحداً كأنّه مطمئن إلى أنه «باقٍ» من «الأزلِ إلى الأبد»!!
إنها سُنّة الشعوب عندما تهبّ الشعوب من منيّتها، لأنّ التاريخ والحقائق والتجارب الإنستنية أكّدت دائماً أنه: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بدّ أن يستجيب القدر/ ولا بدّ لليل أن ينجلي/ ولا بدّ للقيد أن ينكسر»، في شباط الماضي ظنّنا أن لبنان سيكون بمنأى عن ثورات العالم العربي، واعتقدنا خطأً أنه سيكون «الناجي» الوحيد، والاعتراف بالخطأ في التقدير فضيلة، فبعد انقلاب حزب الله ووضع يده على السلطة، وبعد رفضه حتى لمبدأ أن أفراده بشر قد يخطئون، مقرراً أنّهم «قدّيسون»، حان وقت أن يستفيق اللبنانيون من رقدة الاستسلام لمنطق غلبة السلاح بالقتل والترهيب، حان الوقت أن يرفع اللبنانيّون الصوت عالياً ومجدداً من ساحة الحرية التي عمّم اسمها على ساحات كثيرة في العالم العربي، وبنفس سلميّة هذه الثورات، على اللبنانيين التقاط اللحظة وألا ينتظروا «أنشودة» تضييع الوقت التي يُنشدها لهم «رئيس لا يحكم»، حان الوقت لترتفع الصرخة اللبنانية في وجه قدّيسي حزب الله المتهمين الأربعة، فإذا كانت هذه أدنى أسماء درجات الاتهام فأي أسماء ستلحق بها؟!
في وجه هذه القداسة الباطلة، وإسقاط منطق العدالة والقصاص، وتكريس القتل والاغتيال قيمة اجتماعيّة، على الشعب اللبناني الذي كان سباقاً في الوقوف في وجه النظام السوري الذي عاش أعوامه الماضية في وقت التجريب الأميركي والفرنسي لأن ساركوزي وأوباما ينطبق عليهما مثل: «لا يصدّق … حتى يرى»، الآن جاء دور اللبنانيين ليسمعوا صوتهم لكلّ العالم: «الشعب يُريد إسقاط السلاح».