فساد مترابط، حلقة تمسك باختها، باختصار هذا هو واقع قطاع انتاج الطاقة في لبنان بإدارته المتمثلة بوزارة الطاقة والمياه مروراً بمؤسسة كهرباء لبنان، وصولاً الى أصحاب المولدات الخاصة.
فالفساد المستشري، بلغ مرحلة خطرة جداً تجاوزت الفساد والإفساد الى محاولة ضم الوزارة المعنية والإدارات التابعة لها الى الممتلكات الخاصة بصاحبي الحقيبة فضلاً عن ممارسات حزبية وكيدية سياسية ومناطقية موصوفة.
آخر محاولات الاستئثار برزت من خلال محاولة تشريع نهب مقدرات الدولة بحجة إصلاح واقع التغذية بالتيار عندما تقدم النائب ميشال عون بمشروع قرار يجيز لوزير الطاقة صرف مليار ومئتي مليون دولار من دون الرجوع الى مجلس الوزراء. المشروع سقط في أول محاولة، إلا أن الجنرال ربط بين بقائه في (حكومته) وبين موافقة الأخيرة على مشروعه. فهل ينفذ تهديده؟ أم أن رفع السقف في هذا الموضوع لا يتعدى افتعال زعل يعتقد الجنرال عبره منافع شعبية لشخصه وتياره؟
يقول نائب من المعارضة: "إنها مسرحيات دونكيشوتيه عودنا عليها الجنرال، فالمشروع لم يقنع حتى حلفاء الجنرال في حكومة حزب الله. حتى أن بعضهم ذهب الى حد اتهامه وصهره بمحاولة إغراقهم في عملية سطو مؤكدة على المال العام في مرحلة اشتباك سياسي تتداخل فيها الملفات الداخلية بالاقليمية".
ويضيف: "هذا لا يعني أن الآخرين ملائكة بما يتعلق بالمال العام، والأمثله عديدة تبدأ من وزارة الاتصالات واحتجاز الوزير الحالي ومن قبله سلفه لملايين الدولارات بدل تحويلها وفق القانون الى وزارة المالية مروراً بتغطية الفساد في الوزارات".
ويقول: "إنهم يحاولون إقناع الجنرال باستخدام آلية أكثر ذكاء تجنبهم المساءلة القانونية والدستورية والشعبية خصوصاً وأن خطة الإطباق على الدولة ومقدراتها بحسب هؤلاء لم تكتمل على العكس مما يعتقده الجنرال وصهره".
وفي خضم هذا الاشتباك، تنوء المحافظات اللبنانية ومنها البقاع، تحت ثقل تقنين عشوائي قاس جداً، يتجاوز 12 ساعة يوميا في بعض أقضيته، و16 ساعة في بعض البلدات والقرى. الأمر الذي رتب خسائر مادية كبيرة على القطاعات الانتاجية برمتها ودفع بعشرات الآلاف من الأهالي، الى منطقة وسط، بين ضربات صهر الرابية وأصحاب المولدات الخاصة المتتالية، أرهقتهم مادياً ودمرت أعصابهم، وهي الى مزيد من التأزم في الآتي من الأيام، نتيجة التراكمات المرهقة التي رتبتها سياسة جهابذة الإصلاح والتغيير.
فالمطالبات المتكررة من رؤساء اتحادات البلديات ورؤساء البلديات وفعاليات المنطقة لايجاد حلول منطقية تنصف بلداتهم وقراهم، في منطقة تنتج الطاقة، لم تجد صدى عند وزير الطاقة. حتى أن بعضهم فضل الحرمان المؤلم والمكلف على حلول جزئية قد تأتي عبر قنوات حزبية.
وبشأن هذا الموضوع، يوضح عدد من رؤساء بلديات في البقاع الغربي وراشيا وزحلة، كيف أن قيادات محلية من التيار الوطني الحر، حثتهم على الاتصال بشخصية بارزة من التيار العوني في زحلة، لتأمين لقاءات مبايعة مع وزير الطاقة ومع الجنرال عون، كشرط يقابله تقديمات كثيرة متعلقة بزيادة ساعات التغذية بالتيار الكهربائي، أو زيادة التغذية بمياه الشرب، وحتى حفر آبار ارتوازية.
وتركزت سياسة "الجرجرة"، بحسب رئيس بلدية من منطقة راشيا، في قضائي البقاع الغربي وراشيا إلا أن حساب حقل الجنرال والصهر لم يتطابق وبيدر الجمهور البقاعي.
وأمام الاهتراء في جسد وزارة الطاقة، وبدع تيار الجنرال للمزيد من وضع اليد على المال العام والإمعان في استغلال المناصب والمواقع الرسمية للاستغلال الحزبي الضيق، أمام هذا الثالوث الأسود، يضيف أصحاب المولدات الخاصة لمستهم غير المباركة على مشهد الاهتراء في قطاع أقل ما يُقال فيه، إنه يوازي أهمية المياه بالنسبة للمواطن. فالدور المعطى لهؤلاء ما كان ليكون لولا السياسة العرجاء لصهر الجنرال في وزارة خدمات أساسية تستظل حكومة قدماها في صدر المواطن ورأسها يستجدي حماية نظام يتهاوى.
السواد الأعظم من البقاعيين إن لم نقل جميعهم، ومثلهم باقي اللبنانيين في المحافظات الأخرى، يتكبدون فاتورة شهرية مكلفة تراوح بين 100 و200 دولار شهرياً عن كل اشتراك بطاقة خمسة "امبير". فأصحاب المولدات استولوا على قطاع انتاج الطاقة في البقاع، وهؤلاء يشرعون و"يفوترون" وفق مصالحهم وأهوائهم بما يضمن لهم ربحاً سريعاً من دون أي رقيب أو حسيب، يشجعم على أفعالهم إدارة "متفانية جداً في مسيرة الإصلاح والتغيير"، على ما يقول الأهالي.
ويسأل هؤلاء: أين الرقابة؟ وما هو دور مؤسسة كهرباء لبنان؟ ولماذا يلقى أصحاب المولدات الخاصة كل تشجيع وغض طرف من وزير الطاقة؟ وما هي المصالح المشتركة بينهم؟ وأسئلة كثيرة مشروعة تنبع من معاناة حقيقية حيث المواطن يدفع ما قيمته نصف الحد الأدنى للأجور بدل فاتورتي كهرباء واحدة لمعالي الوزير وواحدة لصاحب المولد.
ويلفت الأهالي الى أن أصحاب المولدات رفعوا سعر الكيلواط الواحد الى ألف ليرة يضاف اليها كلفة اشتراك تراوح بين عشرة وعشرين ألف ليرة للخمسة أمبير، ما يعني أن أي عائلة تقطن في شقة متواضعة ومكونة من خمسة أفراد تستهلك في الحد الأدنى نحو 120 كيلواط شهرياً ما يعادل 120 ألف ليرة يضاف اليها قيمة الاشتراك القسري.
ولأن الوزارة ليست الوحيدة المسؤولة عن هذا التسيب يتطلع الأهالي الى دور للمجالس البلدية يسهم في تخفيف الأعباء المادية على هذا الصعيد، وذلك من خلال تنظيم عمل أصحاب المولدات، وإذا لم تفلح، فعبر التصدي لهذه المهمة من خلال شراء مولدات خاصة تؤمن التغذية بسعر الكلفة خصوصاً وأن الازمة مقيمة، فضلا عن انها تحظى بمباركة رسمية.
ويوضح هؤلاء أن مثل هذا الدور ليس مستحيلاً إذ تشهد مدينة راشيا تجربة ناجحة، تمثلت بابتياع المجلس البلدي لمولدات خاصة وضعت بإدارة فريق مكلف من المجلس وفر الكهرباء للأحياء السكنية في المدينة بكلفة تراوح بين 30 و50 ألف ليرة شهرياً لاشتراك خمسة أمبير مع العلم أن هذا التدبير لم يرتب خسائر مادية على المجلس البلدي لا بل إنه وفر مرتبات شهرية تتجاوز الحد الأدنى للأجور للفريق الفني المشرف على العمل، بحسب رئيس المجلس البلدي العميد مروان زاكي.
فهل تعمم التجربة؟ وهل تتصدى المجالس البلدية البقاعية لمثل هذه المهمة الى حين حدوث تغييرات تضع حداً لنهج الفساد والإفساد فتنعم منطقة تساهم في إنتاج الطاقة بحقها التي تحجبه "الطاقة"؟