يعتقد معارضو المحكمة أنّ نقطة الضعف في القرار الاتّهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي نشر أوّل أمس كانت في اعتماده على الاتّصالات التي تمّ رصدها بين المجموعة التي راقبت وخطّطت للجريمة، وتلك التي نفّذتها، خصوصا منذ أن وضعت اليد على مجموعة الموقوفين بتهمة التنصّت والتلاعب بشبكة الاتّصالات الهاتفيّة الخلوية "ألفا" من شربل قزّي الى زميله طارق ربعة وغيرهما، وهذا ما يحاول "حزب الله" البناء عليه للتشكيك في صدقية القرار الاتّهامي.
لكنّ العارفين المتابعين لملفّ المحكمة الدولية يعرفون هذه الرواية من ألِفها إلى يائها، ولا يعتبرون أنّ فيها ما يؤدّي الى نكسة تصيب التحقيق الدولي، فهذه قضيّة وتلك قضيّة أخرى، والسعي الى جعلهما قضيّتين متلازمتين يُعتبر من الأخطاء الجسيمة. فالتحقيقات التي تواصلت مع موقوفي الاتّصالات لم تثبت الى اليوم جملة التهم التي ساقتها وسائل الإعلام التي كانت تديرها المعارضة السابقة قبل تحوّلها إلى أكثرية. كما أنّ التوسع في التحليلات الجاسوسية والبوليسية باتت أهدافه مكشوفة أكثر من أيّ وقت مضى.
الاتّصالات ربع الأدلّة
ويؤكّد العارفون العائدون من لاهاي والمتعاطون مع ملفّ المحكمة الدوليّة أنّ الاتّصالات التي ركّز الجزء الأوّل من القرار الاتّهامي عليها ليست التحقيق كلّه، وهي لا تشكّل رغم أهميّتها أكثر من نسبة 25 إلى 30 % من عناصر القوة التي يتمتع بها القرار الاتّهامي الذي وُصف بأنّه متين ومحصّن تجاه الكثير ممّا قد يقال، وإلّا لَما تجرّأ مدّعي عام المحكمة القاضي دانيال بلمار على رفعه الى المحكمة.
وفي المعلومات أنّ باقي القرائن تشكّل دعائم قويّة للقرار جعلت قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين يصادق على القرار الذي توصّل اليه بلمار بعد سلسلة التوضيحات والإثباتات التي طلبها على مراحل منذ 17 كانون الثاني الماضي تاريخ تسليمه أوّل مشروع للقرار. وهي قرائن مختلفة ستبقى في أدراج المحكمة الدولية ومكتب الادّعاء العام الى مرحلة بدء المحاكمات.
التسريبات لحماية المخالفين
وقال المعنيّون بالملفّ إنّ الكثير من الوثائق والتقارير المحفوظة في أماكن آمنة لن تصل الى يد المسرّبين الذين عبثوا بالمرحلة الأولى من عمل المحكمة. عِلما أنّ لدى المحكمة وأجهزتها المتخصّصة في حماية أعمالها معلومات ووثائق خفّفت من الشكوك التي كانت لديها وقاربت مرحلة التثبّت بأنّ المسرّبين ليسوا من قضاتها ولا من أهالي الشهداء، وإنّهم بالتأكيد من الجانب الآخر، وتحديدا من الذين عملوا بجهد الى جانب عدد من أجهزة الاستخبارات الخارجية لتدعيم موقف المتّهمين وحماتهم منذ أن اكتشفوا بوسائل عدّة أنّ التحقيقات الجارية توصّلت الى أماكن متقدّمة سمحت للمحكمة بالإشارة اليهم بالإصبع بوضوح.
وفي كلّ الحالات، تعترف المحكمة بأنّ الذين تمكّنوا من تسريب ما جرى تسريبه في صحيفة "دير شبيغل" الألمانية أوّلا، ومن بعدها الى صحيفة " لوفيغارو" الفرنسية، وصولا إلى شبكة "سي بي سي" الكندية، نجحوا إلى حدّ ما في تشويه صورة المحكمة والتخفيف من وهج القرار الاتّهامي، لكنّ الأمر لن يطول بانتظار الكشف عن المزيد من الوقائع والقرائن التي تعزّز ما آلت اليه التحقيقات في شبكة الاتّصالات فباتت كلّها من عناصر الإثبات القوية والمتينة التي تسمح بالانتقال الى مرحلة المحاكمات في نهاية تشرين الأوّل المقبل أو بداية الشهر الذي يلي.
ما هي هذه القرائن الإضافيّة؟
يقول المتابعون للملفّ إنّ في القرائن ما يوازي 20 ألف صفحة من التقارير الجنائية والتحقيقات التي أجريت مع ما يزيد على 450 شخصيّة لبنانية وسوريّة ومن جنسيّات مختلفة كانت على تواصل مع الرئيس الحريري قبل استشهاده وصولا إلى شخصيّات موثوقة في أكثر من دولة عربية وغربية وآسيوية. بالإضافة الى ساعات عديدة من التسجيلات الصوتية التي تدين أصحابها من المتورّطين وإنّ بصماتهم الصوتية لا يمكن أن تتشابه مع غيرها، وهي من الإثباتات غير القابلة للجدل أمام المحاكم المحلّية والدوليّة من دون استثناء، وخصوصا إذا تميّزت بصفائها من النواحي الفنّية والتقنيّة.
ويضيف هؤلاء بالقول: أمام المتّهمين في المحكمة الدولية سيكون بالإضافة الى قضاتها ومحامي الدفاع والحق العام شهود من العيار الثقيل من لبنانيين وغير لبنانيين بقدرتهم على الشهادة الموثوقة. وهم جميعهم باتوا منذ فترة في أماكن آمنة تنفيذاً لبرنامج حماية الشهود الذي خُصِّص له حوالى عُشر موازنة المحكمة…
الشهود "مفاجأة صاعقة"
وإلى ذلك، قال هؤلاء: إنّ من لم تشبعه الأدلّة الحاليّة فأمام المحكمة سيكون هناك شهود يشكّلون "مفاجأة صاعقة" سواء بدأت غيابيّة أو حضر المتّهمون أمامها. ومن الشهود من سيكون ظاهرا إلى العلن وممّن سيكونون وراء ستار أسود أو سيشاركون بواسطة " الفيديو كونفرانس"، أو إنه سيجري التلاعب بأصواتهم وإخفاء وجوههم إذا دعت الحاجة. لكن قواعد الإجراءات والإثبات ومن أجل المزيد من الشفافيّة ستسمح لمحامي الدفاع والادّعاء بالحصول على أسمائهم ومهامّهم ومواقعهم بعد قَسم الحفاظ على سرّيتها. وقالت إنّ خرق القَسم لأيّ محام سيحاسب بتهمة تجاوز أخلاقية المهنة، وفي هذه الحال سيكون للشهود أرقام، كأن يُقال الشاهد رقم 1 أو رقم 2 ألخ…
ويضيف هؤلاء المطّلعون باتّجاه المهتمّين بالأمر بأنّ إقرار المتّهمين بالجريمة لن يكون كافيا لتجريمهم، فالأدلّة الدامغة المطلوبة قد تكون مطلوبة قبل الإقرار أو إنها تتساوى في الأهمّية معه مخافة أن يتبرّع أحدهم بإخفاء المجرم أيّا كانت صفته.
ولذلك، تنهي المصادر لتقول، إنّ استعجال المراحل التي تلي ما حصل الى اليوم، غير واقعي، وإنّ خطوة النشر شكّلت من دون شك ضوءاً أخضر باتّجاه التسريع بمرحلة المحاكمات، وعندها سيكون كلّ ما يقال عن تسييس المحكمة والسعي إلى تشويه ما حقّقته مرحلة سخيفة عابرة على الطريق الطويل الى إحقاق الحقّ والعدالة وبلوغ الحقيقة.