فرضت التحولات التي شهدها التعليم العالي في العالم على الجامعة اللبنانية ضرورة التوافق معها ومواكبتها انطلاقا من التعاون القائم بينها وبين العديد من الجامعات الاوروبية، لا سيما الفرنسية التي يقصدها متخرجو جامعتنا الوطنية لمتابعة تخصصاتهم، فالتزمت النظام الاوروبي الجديد المعروف بنظام الـ LMD الجديد المرتكز على تقسيم التعليم الجامعي الى ثلاثة مستويات: اجازة، ماستر ودكتوراه.
ولا يخفى على احد من اهل الجامعة والوسط الاكاديمي ان نظام الـ LMD منذ اقراره في العام 2004 شكّل مادة جدل بسبب الثغرات التي رافقت تطبيقه وفقدان البيئة المناسبة له، الى عدم امتلاك ثقافة هذا النظام الجديد الذي يفترض التعمق به لفهمه والعمل ضمن روحيته.
ومع تخرّج الدفعة الثالثة من الطلاب وفق النظام الجديد في بعض الكليات، تعود التساؤلات والهواجس حول هذا النظام: هل نجح حيث طبّق؟ هل يسير في شكل جيد ويحقق الاهداف المرجوة منه؟ كيف يتم العمل على مبدأ الحركية وهو الاساس في نظام الـ LMD، علما انه ليس لدينا مجمّعات جامعية قريبة من بعضها البعض ليتمكن الطالب من اختيار بعض المقررات المكمّلة لتخصصه من ضمن تخصص آخر؟ … اسئلة عديدة حملتها "النهار" الى بعض المعنيين من اهل الجامعة والعمداء للوقوف عند واقع هذا النظام بعد سنوات على تطبيقه.
لكل كلية خصوصيتها وظروفها
وفي هذا الاطار، يشير منسق اللجنة العليا لتطوير المناهج والبرامج في الجامعة اللبنانية الدكتور حسين بدران الى ان "12 كلية من اصل 16 أصبحت في مرحلة تطبيق النظام الجديد هي الاعلام والتوثيق، العلوم الاقتصادية وادارة الاعمال، السياحة والفنادق، العلوم، الاداب، معهد الفنون، المعهد الجامعي للتكنولوجيا، التربية، الزراعة، الحقوق، الصحة، الصيدلة، فيما يجهّز معهد العلوم الاجتماعية نفسه للتطبيق قريبا. اما الكليات الثلاث المتبقية اي الهندسة والطب وطب الاسنان فهي متأخرة في تجهيز نفسها نظرا لوضعها الخاص وطبيعتها التي لا تتطابق مع نظام الارصدة والتدريس الفصلي"، مؤكدا ان لكل كلية خصوصياتها وظروفها. وفيما اكد بدران ان "كليتي العلوم الاقتصادية وادارة الاعمال والسياحة والفنادق هما الاكثر تماشيا مع النظام الجديد من بين الكليات"، اشار الى "صعوبة تطبيقه في الكليات المفتوحة التي تحوي اعدادا ضخمة من الطلاب ككليات الاداب والعلوم والحقوق".
من جهته، يقول عميد كلية الاعلام والتوثيق الدكتور جورج كلاس ان "كليتي الاعلام والعلوم هما اول من طبّق النظام الجديد منذ 6 سنوات" معترفا ان هناك "عثرات او تحديات وليس سيئات" اوّلها هو ان "نظام الـ LMD يجب ان يواكبه تطوير دائم بل لحظوي للمناهج وتحديث للمختبرات والوسائل التقنية كالاستوديوهات مثلا في كلية الاعلام ومكننة للمكتبات، وثانيها ان الحرم الجامعي ليس موحدا اي اذا اراد الطالب ان يختار مواد اختيارية من كلية الاداب او العلوم الاجتماعية مثلا فعليه ان يتكبد عناء المسافات الفاصلة بين مراكز الكليات (…) وكذلك هناك الجسم الاداري الذي اصبح ضعيفا من حيث العدد، فيما أضيفت ايضا مسؤوليات كبيرة الى مهمات رؤساء الاقسام ودوام وجهد اضافيين من دون اي مقابل مادي". من جهة اخرى، اكد كلاس انه مع "نظام الـ LMD اصبح البرنامج اكثر تجاوبا مع سوق العمل لأنه اضحى اكثر تعزيزا للشق التطبيقي".
وعن المشكلات التي واجهها بعض المتخرجين وفق النظام الجديد مع مجلس الخدمة المدنية وبعض الدوائر التوظيفية فيما يتعلق بكيفية احتساب الاجازة على اساس 3 سنوات او 4 سنوات، قال: "نحن في انتظار صدور مرسوم يحدد هذا الموضوع وينهي الاشكالية القائمة حوله".
التقويم المستمر
اما عميد كلية الزراعة في الجامعة الدكتور تيسير حمية، وهو من انصار نظام الـLMD ومحبذيه كونه من متخرجي الجامعات الفرنسية ولأنه تابع تفاصيله من خلال عضويته في اللجنة العليا لتطوير المناهج والبرامج، فيقول ان "لهذا النظام حسنات عدة ابرزها ان الطالب هو دائما رابح وليس خاسرا، مما يعني انه عندما ينجح في مقرر ما يصبح هذا المقرر مكتسبا (acquis) وهذا ما لم يكن متوافرا له في المناهج السابقة، اضافة الى التنوع والغنى الذي يكتسبهما من خلال المقررات الاختيارية". وشرح حمية مبدأ التقويم المستمر، والذي هو بحسب رأيه "احد اسباب نجاح نظام الـ LMD" معترفا ان هذا المبدأ "لا يطبق كما يجب في كليات الجامعة اللبنانية وحتى في كلية الزراعة لأن غالبية الاساتذة لم يستوعبوا بعد اهميته".
وعن المقررات الاختيارية وصعوبة تنقل الطلاب الى كليات اخرى او مجمعات جامعية، علما ان كلية الزراعة مركزها في الدكوانة خارج المجمعات الجامعية، يقول: "عوّضنا عن هذا النقص باقتراح مجموعة من المقررات الاختيارية على الطلاب نؤمنها لهم في كليتهم كعلم الاجتماع وحقوق الانسان وغيرها".
وعن المرونة الفعلية للنظام قال: "المرونة معمول بها في كلية الزراعة، فقد قبلنا طلابا من كليات العلوم والصحة وادارة الاعمال وعدّلنا لهم مواد بعد اجتيازهم مباراة الدخول، وكذلك في امكان طلابنا ان يحملوا المواد والانتقال بها الى كليات اخرى".
الافادة من تجارب سابقة
من جهتها، تتحدث عميدة كلية الصحة الدكتورة نينا زيدان عن "السنة الاولى لتطبيق النظام الجديد في الكلية بعد خمس سنوات تحضير" مؤكدة انها كانت "خالية من العقبات لأنها اتت ثمرة تحضير مكثف وجدي عمل عليه فريق مميز. افدنا من تجارب كليات اخرى وتفادينا الوقوع في الاخطاء ذاتها". واشارت الى انه "في السنة الجامعية المنصرمة طبّقنا نظام الـLMD في عدد محدد من الاقسام، علما ان كلية الصحة كبيرة ولها ستة فروع وفيها 11 قسما. وسنستكمل تطبيق النظام في السنة الجامعية المقبلة 2011-2012 في بقية الاقسام". ووصفت خطوة تطبيق الـLMD بالـ"مهمة والضرورية، علما ان التغيير كان اصعب على الاساتذة والموظفين منه على الطلاب"، مشيرة الى الدور الايجابي الذي اداه قسم المعلوماتية في الجامعة في مساعدة الاساتذة والمدربين والموظفين على فهم الموضوع". واوضحت التعديل الذي حصل في اعطاء شهادة جدارة (bachelor) بعد اربع سنوات دراسة في الكلية، وليس ثلاث سنوات بسبب خصوصية هذه الكلية وكذلك كليتي الطب والهندسة لأنها متصلة بنقابات لها قوانينها".