في العقود الستة الأخيرة، أي زمن قيام الانقلابات العسكرية واستتبابها بقوة القمع وتعطيل المجتمعات، واخضاع الشعوب والناس ومصادرة الثقافة وتجويف التاريخ، لم نصدِّر إلى العالم سوى الهزائم والهجرات وصور نمطية بائسة عنا، وعن مآلاتنا وواقعنا، إلى العالم. سقط جدار برلين وبقيت جدراننا. سقط الاتحاد السوياتي ومنظوماته وبقيت أنظمتنا. سقط الطغاة في أميركا اللاتينية وبقي طغاتنا.
عادت أنفاس الديموقراطية تهب على الكثير من البلدان الأوروبية وسواها، وتعمقت الدكتاتوريات عندنا. كأنما كان شعبنا العربي مسكوناً بلعنة "الآلهة" موطوؤاً بمداسات الزمن السادر. لا شيء. نستهلك ما يقدمه الغرب إلينا، ولا نقدم إلى العالم سوى عجزنا وبؤسنا ونواحنا وصمتنا وجبننا… لا شيء يفوق الخذلان. ولا شيء أقوى على الشعوب من الغياب. او من الحذر. أو القناعة (مقولة القناعة كنز لا يفنى) والخنوع والاتكالية. بلا انتظارات وحتى بلا قلق (والقلق أمل مقنع). كأنما كانت الحياة في أمكنة أخرى. والتاريخ بمعناه الحركي في أمكنة أخرى. والحقائق الكبرى في أمكنة أخرى. لا شيء يحركنا سوى الهزائم المتكررة، المتجذرة، لا شيء يشفع بنا سوى الخوف. الخوف من لحظة أبدية. الخوف بلا كلام. بلا صمت. بلا معنى. بلا هاجس. والخوف يجعلك تعيش (أو تعتاشه) ولا يجعلك تحيا. أقصد الخوف. الخائف. المتردد. المقموع: الخوف المميت. والخوف الميت (لا أقول الجبن: الجبن ارعب) يميتك. بجسدك. وضوئك وفكرك ومشاعرك.. وحقائقك البديهية.لم نصدِّر إلى أنفسنا وإلى العالم سوى الخوف. (والخوف يجعلك كمية: مثلاً أحجاماً. هياكلَ) وبهذا فعلنا ما أراد الطغاة أن نفعل. سلكنا الطرق التي فتحوها لنا. جاورنا الجدران التي رفعوها. رسمنا وجوهنا بحبرهم بألوانهم. بنينا مدننا على شاكلتهم وأفكارهم. لم تكن مُدُننا تشبههنا. كانت تشبه خوفنا: أي تلك الأنظمة. حتى السياحة. حتى الآثار. حتى الثقافة. حتى الملابس. حتى المآكل. والمصانع والمقاهي… كانت تشبه تلك الأنظمة. فالأمكنة امكنتها. والهواء هواؤها ونحن على مقاساتها أي من دون مقاسات.
قابلَ العالمُ هذه الصور التي وصلت إليه من الوقائع، ومما روجته الأنظمة لتتمكن من شعوبها، بكثير من الاحتقار. أي شعوب هذه تبقى خاضعة مطأطئة الهامات، ذليلة، بلا كرامة، بلا حلم، بلا صوت، ستة عقود وأكثر لهؤلاء الطغاة. كانوا يكنون لنا "الاحتقار" بقدر ما يُظهرون "الشفقة" (والشفقة وجه من وجوه الاحتقار والعنف وليس الرحمة). وهذا لا يعني إنكار ظهور أصوات سياسية ومدنية وثقافية شجاعة مقاوِمة، مواجهة، من تجمعات هنا أو من أفراد أو بعض الظواهر العابرة. فمن الأصوليات الدينية والطائفية الإسلامية والمسيحية، إلى حروب لبنان وحروب نظام صدام ومجازره، وحروب نظام حافظ الأسد ومجازره، وصولاً إلى الجزائر والخراب العميم، فإلى ليبيا فإلى غزو العراق (صدام) الكويت: فإلى الحرب الأميركية وحلفائها لتحرير الكويت، فإلى الدكتاتورية المتصاعدة وتجاوز حقوق الانسان والتعذيب والسجون، والأحكام بلا محاكمات والقضاء المسيّس والأزمات الاقتصادية والجوع (السودان) والفقر ولا ننسى (دارفور)، كل هذه الصور شكلّت المشهد العربي عند ناسه وعند العالم. لم تقدم سوى ظواهر الخراب، والهزائم والتخلف لتساعد بعض الدوائر الغربية وإسرائيل والصهيوني على تعميق تلك الإشارات السلبية وتعميمها.
لم نقدم سوى ذلك! أي لا شيء! خارج صناعة التاريخ وكذلك الجغرافيا.
اليوم، وبعد اندلاع الثورات العربية الجديدة في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا… كأنما تطوى تلك الصفحات المشوِّهة والمشوَّهة، ثورة بعد ثورة، تظاهرة بعد تظاهرة، شهيداً بعد شهيد، مع تساقط الطغاة وزبانيتهم وعهودهم الدموية السود. فجأة، برز وجه جديد للشعب العربي، أدهش العالم كله، وفاجأه وصَعَقه وبهره وجذبه. صورة هذا الشعب المنفتح، السلمي، الحضاري، غير المتعصب، الديموقراطي، الشجاع، الكريم، الحي، يتظاهر بكل سلمية، وبكل ما تحمل العبارة من معنى. يواجه جيوش الأنظمة وبلاطجتها وشبيحتها. بصدور عارية، بلا سلاح (في سوريا ومصر وتونس وإلى حد في اليمن)، وبلا عنف، ناشداً الحرية، والكرامة والدولة العادلة والنظام الديموقراطي والانفتاح على العالم، بدون أي عدوانية، أو تعصب، أو أحزمة ناسفة، أو سيارات مفخخة، أو اغتيالات، أو تخريب. وإذا كان الجيش في كل من مصر وتونس لعب دوراً في حماية الثوار المعتصمين في ميدان التحرير أو المتظاهرين في أنحاء مصر وفي ساحة بورقيبة والأطراف، وإذا كان الثوار اليمنيون تجنبوا الرد على اعتداءات آلات النظام وبلاطجيته بمثله أي بالسلاح، فإن المسار اتخذ منحى آخر في ليبيا، حيث تحولت الثورة الشعبية إلى ثورة مسلحة رداً على وحشية النظام "الأخضر" وعلى انتهاكاته وجرائمه وها هي قوات الثورة تتقدم نحو طرابلس، لتحريرها بمساعدة القوى الدولية.
أما في سوريا، فالشعب المنتفض اختار الثورة التي تميزه عن الانقلابات العسكرية، وعما يُماهيه بها، وبسائر الأنظمة الدكتاتورية، اختار أن يكون هو سلاحَه. صوتَه بندقيته. جسده مدفعه. يداه دباباته، محاذراً أن ينجح النظام في استدراجه إلى ساحته: العنف. والدم والقوة والمدفع والعبوات والمتفجرات. قال لهم: أنتم تستخدمون الحل الأمني (لا السياسي) لأن ليس عندكم سوى هذا الحل الذي اتقنتموه وبطشتم به، وسُدتم به. وبهذا الحل الأمني، أي بوسيلتكم نفسها ستسقطكم. اجسادنا ستنتصر. شهداؤنا سينتصرون. إنهم المنتفضون العرب، وفي ربيعهم الذي يشبههم، يصنعون تاريخاً جديداً. يصنعون النهضة الجديدة والثقافة الجديدة من خارج الكتب والنصوص والإلزامات والنواهي والمبرمجات الجاهزة، والأيديولوجيات وخارج الغيتوات الفكرية، أو العصبية، أو الطائفية. وهنا بالذات يمكن مقارنة هذا الواقع العربي الجديد، بما نشهد من ظواهر رجعية وعنفية وكراهية وانغلاقية في الغرب، فمن الولايات المتحدة الأميركية إلى أوروبا… فالعالم الغربي صانع الثورات الديموقراطية والمدنية، سليل الثورة الفرنسية، والتنوير، ها هو اليوم يرتد على تواريخه. كأنه ذاهب إلى ما ذهبنا إليه وأكثر على امتداد العقود الستة الماضية، من انعزالية وأصولية وحنينية إلى المراحل التاريخية السوداء، من نازية وفاشية وصهيونية وستالينية وماوية: أي الحنين إلى الفوضى القاتلة، وإلى "أيديولوجيا" الإلغاء والعنف والتعصب واليمين المتطرف، من أميركا وحزب الشاي، إلى إسبانيا، (العودة إلى الفرانكوفونية) فإلى إيطاليا (والتماثل بالفاشية) فإلى فرنسا والجبهة الوطنية (مارين لوبان وارثة جنون أبيها جان ماري 20%) وبلجيكا (7 % حجم القوى المتطرفة) وبلغاريا (12%) والمجر (14,8%) وسويسرا (53% ضد المهاجرين ومع طردهم) وأخيراً إلى النروج مع "شعلتها" الدموية. سفاح أوسلو انديرز بهرينج برييك، هذا الأبيض الناصع، ذي العينين الزرقاوين والنقاء والبشرة الناعمة والشكل الارستقراطي المترف، الذي اعدم بدم بارد وثقة بأفكاره المجرمة أكثر من 70 مواطناً نروجياً في انفجار، والمجزرة اللذين نفذهما. كأنه "كائن" أيديولوجي يميني خالص. "بن لادن" صافٍ. وإذا كان قد ارتكب مجزرته وحده كما يدعي (حتى الآن) فإنه لا ينفصل عن البيئة الأوروبية والأميركية الموَلّدة مثل هذه الظواهر. انه جزء منها. جزء من "تطلعات" شرائح واسعة تكونت لديها اقتناعات ومشاعر عدائية للإسلام ولليسارية وللمهاجرين وتوق إلى زمن الاستعمار او الانفصال عن كل ما يمكن ان نسميه الآخر: إنها الأصولية المتعددة الرافضة، الكاسرة إنجازات الديموقراطية والتنوير والتواصل والمدنية ومنطق التعايش العالمي.
إذا قارنا هذه الظواهر الغربية اليوم (ولا ننسى طبعاً الأصوليات الصهيونية واليهودية واليمينية الحاكمة في إسرائيل: تراجع اليسار بنسبة كبيرة) بما يحصل عندنا، نكتشف بذهول رائع ما حققه الثوار العرب كنقيض لما نشهده في الغرب: هذا الأخير يحطم ما انجز، ويعود إلى أزمنة العنصرية والفاشيات، أي يعود إلى خريف التوتاليتاريات والقرون الوسطى والتخلف، بينما يكسر الثوار العرب هذه القماقم، في ربيع مليء بالمستقبل. الشباب الغربي من خلال هذه الموجات المتصاعدة يوافي الماضوية السوداء، بينما يقتحم شبابنا حواجز الطغاة وديناصورات القتل، ويمحو تلك الصور التي ألفها الغرب عنه. وإذا كان هذا الأخير علَّمنا ما علَّمنا على امتداد القرون الماضية، عبر دروس التنوير والديموقراطية والعالمية… فإن شبابنا في الساحات والميادين والدساكر والمدن والأزمة يعلنون ثورة المستقبل ليقوموا بدورهم بإعطاء دروس لكل العالم. ولعلّ هذا ما أثر في العالم وأدهشه: كيف تنقلب صورة محفورة مزرية في ذهنه عن العرب إلى صورة مشرقة إلى مشهدية طليعية، كأن ثوارنا يقولون للغرب علمتمونا امس ونعلمكم اليوم. هذا خطاب الثوار العرب للعالم، وللحضارة وللناس. صنعتم التاريخ وكنتم متونه وكنّا على هوامشه، وها هي الهوامش هوامشنا تصير المتون. ولا نقول ذلك من باب الافتخار، أو الانتفاخ، بقدر ما نستمد أقوالنا من الواقع: الربيع العربي صار هو العنوان الأساسي عند القوى الديموقراطية في العالم، لتستعيد المبادرة من الظواهر الأصولية واليمينية المتطرفة. صارت عنوان كل ثورة شعبية سلمية في العالم: ألم يحدث هذا في إسبانيا قبل مدة قصيرة حيث ربطت وسائل الإعلام بأخبارها ومحلليها ما جرى هناك بالربيع العربي. ذلك لأن ربيعنا هذا هو عنوان لانتصار الانسان على الظلم والاستبداد والفقر والذل والاستهلاك والاستغلال والاولغارشيات المتعددة الوحدة. حتى التظاهرات التي قامت قبل أيام في إسرائيل تحت يافطات اجتماعية واقتصادية (وسياسية) إنما كانت نتيجة واضحة، وتماهياً مكشوفاً بالربيع العربي؛ إلم يكتب بعض الصحف العالمية (وحتى الإسرائيلية عناوين مثل "الربيع العربي في إسرائيل). حتى الإسرائيليون لم يستطيعوا الافلات ممّا يجري حولهم. الشعارات ذاتها "إرحل يا نتنياهو" و"الشعب يريد إسقاط نتنياهو".. وقد تتجاوز هذه التحركات الإطر النقابية إلى ما هو أبعد!
كأنها المرة الأولى من مئة عام وأكثر، نعطي العالم خرائط جديدة للتاريخ، وللحقائق الإنسانية الكبرى، إنها الصحوة التي تنشر أبعد من حدودنا، في مواجهة أشكال الانحطاط التي تهدد العالم. أما الطغاة، فلم يعودوا موضع "تكريم" ولا موضع احترام… (حتى بالنسبة إلى من احتضنوهم بتواطؤ مخيف، وبتستر على جرائمهم)، ولا موضع ارتباط بزبانيتهم.. لقد صاروا في المقلب الآخر، المقلب الذي سقط فيه تشاوشسكو وستالين وفرانكو وموسوليني وهتلر وبول بوت…
ها هي شمس الثورات العربية تشرق حتى على الغرب لأول مرة منذ مئات السنين.