#dfp #adsense

طويلة

حجم الخط

لا يختلف تقويم المشهد بالأمس في "جمعة البشائر" عما سبقه من أيام مماثلة، سوى أنه يأتي بعد قطع العتبة الأخيرة قبل الدخول الى مكان مختلف عن كل ما جرى في الأشهر الماضية في سوريا.
لم يكن صعباً بهذا المعنى، ملاحظة تلقف المتظاهرين السوريين، المواقف الدولية التي توالت دفعة واحدة في غضون ساعات، وعوّضت عن صمت استمر طويلاً.. فخرجوا بأعداد استثنائية، وفي أماكن كانت الدبابات أخبرتنا بيقين مدافعها، أنها سوّت قضيتها، وأنهت تحركها. وأن "العصابات المسلحة" فيها اندحرت. وأن الناس بالتالي، عادوا الى أعمالهم المعتادة، ولا ينتظرون إلا بدء تطبيق الإصلاحات الموعودة التي ستنقلهم من حال الى حال، ومن تاريخ الى آخر!

ولم يكن صعباً في السياق ذاته، ملاحظة زخم إضافي في التحرك العام، حتى في الأماكن المعتادة على تلوين أيام الجمعة بصيحات أهلها ودماء شبابها، وعلو شعاراتها. فبدت تلك، ودرعا في مقدمتها، كأنها تتوّج المعضلة الفعلية للنظام من خلال إظهار الفشل الذريع للحل الأمني ـ العسكري الذي اعتمده، وراهن على نجاحه.

ولا يؤكد ذلك إلا المعطى الذي أظهره التحرك الشعبي السوري منذ لحظاته الأولى. وهو أن الزجاج انكسر. وذلك السد الذي قام واستمر على مدى أربعة عقود، تشقّق في أسوأ الحالات، وانهار في أحسنها. وأن العودة الى الوراء صارت مستحيلة. وأن خط السير لا يدل إلا الى اتجاه واحد، مؤداه الأخير أن النظام القائم دخل في أخطر محطة له في كل تاريخه، وأن شيئاً أياً تكن "طبيعته"، أمنية أو عسكرية أو سياسية أو إعلامية، لن يعيده الى ما كان عليه.

لكن بدا واضحاً في المقابل، من خلال ما استجد داخلياً وخارجياً في الساعات الثماني والأربعين الماضية، أن اكتمال عدّة المواجهة، وإدخال الدعوات الى التنحي والعقوبات الإضافية، الاقتصادية والمالية، في سياق المعركة المفتوحة في شوارع المدن والبلدات والقرى السورية، لن تؤدي الى حسابات قاصرة تفترض أن الحسم صار قريباً.. بل ربما العكس تماماً. فهي تؤشر تلقائياً الى أن حدّة المواجهة ستطول وستزداد استعاراً، وأن الظن الغالب، الذي سيبقى غالباً حتى النهاية، هو أن النظام سيزداد شراسة وعنفاً في كل الاتجاهات.

.. ربما هي أكثر لحظات التاريخ العربي الحديث إضاءة وتنويراً وإشعاعاً، لكنها في الميزان نفسه، أكثر لحظات ذلك التاريخ مدعاة للكآبة والقنوط: دمار فظيع، كان ممكناً تصوّره في إطار النزاع مع إسرائيل، أو مع احتلال أجنبي غاشم، فإذ به نتاج واقع مرير فرضته أنظمة يبدو اليوم أن كل ما بنته كان في عمقه موجهاً الى الداخل، وفي ظاهره وشكله المعلن الى الخارج…
أنظمة ما اكتفت بتحطيم الماضي والحاضر، إنما تؤسس بدأب فظيع لتحطيم المستقبل الآتي، وجعل الاحتفال بالخراب والموت صنواً للحرية!
أنظمة عقدت قرانها على غربان البين، وعلّقت العمل بأحكام الشريعة حتى آخر نفس.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل