"حزب الله" أمام امتحان المحكمة الدولية بعد سنوات يائسة لتعطيلها
إظهار التعاون لإثبات براءة المتهمين أو مواجهة الأحكام الغيابية بمفاعيلها السلبية
"برغم الأموال الطائلة التي صرفها الحزب لتعطيل إنشاء المحكمة الدولية والتي تكاد تفوق ما يصرفه على مقاومة اسرائيل، باءت كل هذه الجهود بالفشل وأنشئت المحكمة"
لم يكن أحد من اللبنانيين يتوقع أن يتعاطى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بانفتاح وإيجابية مع القرار الاتهامي بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد تسمية أربعة متهمين من الحزب بالضلوع في هذه الجريمة الإرهابية النكراء، بالرغم من مبادرة الرئيس سعد الحريري للمرة الثانية وفي غضون عام واحد ودعوته لنصر الله والحزب معاً، لاتخاذ موقف تاريخي من هذه القضية ووقف سياسة الهروب الى الأمام ووجوب التعاون مع المحكمة الدولية وتسليم المتهمين وفك ارتباط الحزب بهم، لأن <حزب الله> انتهج سياسة الرفض المطلق لكل مسار التحقيق الدولي في هذه الجريمة الارهابية، منذ مطالبة اللبنانيين بإنشاء المحكمة الدولية، لانعدام ثقتهم بالقضاء اللبناني الذي كان خاضعاً لهيمنة الوجود السوري مع سائر الأجهزة والمؤسسات الأمنية في ذلك الوقت، وبادر الى اتخاذ سلسلة خطوات ميدانية لعرقلة إنشاء لجنة التحقيق الدولية في البداية، ثم اندفع بكل قواه لتعطيل قيام المحكمة الدولية تارة بافتعال التوتير الأمني المنظّم وباحتلال وسط العاصمة بيروت وشلّ حركة العاصمة تجارياً وبإغلاق المجلس النيابي قسراً وصولاً للقيام باجتياح بيروت عسكرياً وقتل العشرات من أبنائها بواسطة سلاح <حزب الله> تحت شعارات وهمية ومزيفة في السابع من أيار عام 2008·
لم تقتصر ممارسات <حزب الله> عند هذا الحد، بل ارفق تحركاته بخطة تمثلت بتجييش الدعم السياسي من قبل حلفائه على اوسع مدى وتخصيص مبالغ مالية ضخمة تدفع لهؤلاء بانتظام حتى اليوم لضمان دعمهم، اضافة الى دعم وتمويل وتسليح العديد من التنظيمات والجمعيات والاحزاب في كافة المناطق اللبنانية وتحديداً في المدن الرئيسية والعاصمة، لدعم تحركات الحزب ومخططاته وترهيب اللبنانيين ومنعهم من التعبير عن مشاعرهم في تأييد مسيرة الاستقلال والعمل قدر الامكان لتعطيل كل الخطوات المتخذة لانشاء المحكمة الدولية وبالطبع الدفاع عن السلاح غير الشرعي للحزب في الداخل اللبناني·
كذلك، جند <حزب الله> العديد من الوسائل الاعلامية ومحطات التلفزة على اختلافها لدعم وتسويق وجهة نظره والدفاع عن ممارساته والسعي قدر الامكان لتشويه سمعة المحكمة ومنع انشائها·
ولكن بالرغم من كل الاموال الطائلة التي صرفها الحزب لتعطيل انشاء المحكمة الدولية والتي تكاد تفوق ما يصرفه على مقاومة اسرائيل، باءت كل هذه الجهود بالفشل الذريع وانشئت المحكمة بقرار من مجلس الامن الدولي في النهاية بالرغم من الوعود المقطوعة للامين العام للحزب لمناصريه بانها لن تقوم، وبالرغم من كل التهديدات التي اطلقها بهذا الخصوص، والخسائر التي تسبب بها على كل المستويات·
واليوم، وبعد صدور القرار الاتهامي والكشف عن بعض جوانب الأدلة الموثقة بحق المتهمين الضالعين في هذه الجريمة، لا يبدو أن الحزب مستعد لتغيير أسلوب تعاطيه مع المحكمة الدولية حسب المواقف الأوّلية الصادرة عن الأمين العام للحزب وبعض قياديه، بل تُشير هذه المواقف إلى انه مستمر في سياسة مواجهة المحكمة وعدم التعاون معها تحت شعارات وعناوين واهية، كالقول بأنها محكمة مسيسة أو انها تستهدف الحزب مسبقاً، او عدم وجود أدلة صلبة في القرار الاتهامي وإلى ما هنالك من حجج وذرائع مختلفة تمهد الطريق، في حال لم يبدل الحزب تعاطيه السلبي مع المحكمة، الى التهرب وعدم التجاوب مع المطلب الأساس لتسليم المتهمين للمثول امام المحكمة والاستمرار في اخفائهم حتى النهاية·
وفي حال استمر الحزب في سلوك طريق المواجهة مع المحكمة وعدم التعاون معها، فهذا يعني انه لن يستطيع تبرئة المتهمين الذين يدعي انهم مظلومون ولا علاقة لهم بارتكاب هذه الجريمة، لأن المحاكمة ستجري غيابياً، استناداً إلى الأدلة الموثقة الواردة في القرار الاتهامي وستصدر الاحكام النهائية على أساسها في حال لم تقدّم أية دلائل معاكسة تدحض صحة الأدلة المتوافرة في مضمون القرار الاتهامي·
ويبقى السؤال المطروح، هل يتجاوب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مع دعوة الرئيس سعد الحريري لتسليم المتهمين وفك ارتباط <حزب الله> بهم، أم انه لا يمكنه اتخاذ قرار على هذا المستوى بمفرده وبملء ارادته وبمعزل عن موافقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تدخلت بقوة على هذه القضية في الأيام الأخيرة، وقالت كلمتها بهذا الخصوص كونها صاحبة القرار النهائي لأنها هي التي تموّل وتدعم وتسلح الحزب، أو لأنه يخشى بالفعل أن يكون المتهمون الأربعة متورطين بارتكاب هذه الجريمة النكراء ولا يستطيع تقديم الأدلة الكافية لتبرئتهم منها؟
· ولذلك، ليس من السهل اتخاذ القرار بسرعة في هذه القضية المهمة، ولا بدّ من التأني ودراستها بدقة متناهية، لأن التسرع في اتخاذ قرار بالتعاطي السلبي المطلق مع المحكمة حسب المواقف الأوّلية للحزب، ستؤدي حكماً إلى السير بالمحاكمة الغيابية للمتهمين، ومفاعيل هذه المحاكمة وعدم تقديم ما يثبت براءة المتهمين، ستكرس الاحكام النهائية بحقهم في هذه الجريمة الإرهابية، وستطبع في ذاكرة اللبنانيين وفي مسيرة الحزب وتاريخه، وبالطبع لن تكون في صالحه ومستقبله، ولن تمحوها التهديدات والتهويل بالفتنة وما شابه·