بصرف النظر عن الاحتدام المتفجر الذي اثارته المقابلة التي اجرتها مجلة "التايم"الاميركية مع احد المتهمين في اغتيال الرئيس رفيق الحريري على المستوى الداخلي، توازي هذه المقابلة في المعايير الصحافية بحجمها المدوي الاثر نفسه الذي كانت تثيره التسريبات التي نشرتها الصحافة الغربية عن التحقيق الدولي.
واذا امكن الاحتكام الى المعايير المهنية في معاينة هذه الظاهرة وقراءة مدلولاتها بعقل بارد فان ذلك يستتبع ابراز الخلاصات الآتية:
اولا: لم يعد لبنان يحظى باولوية في الصحافة الدولية الا من باب ملف الاغتيالات والمحكمة الدولية. اي ان "القصة" وحدها هي الملف الجاذب لهذه الصحافة بمقدار توافر المعلومات التي وحدها تعيد لبنان الى اغلفة المجلات ومانشيتات الصحف ولا شيء آخر سواها.
ثانيا: اجتاحت العولمة الاعلامية النظم القضائية وباتت تسخر بالسرية واصولها تماما كما سخرت تقارير "ويكيليكس" بالسرية الديبلوماسية وقوضتها. بذلك ينبغي على "الجيل القديم" المتحفظ عن كل ما ينتهك الخصوصيات والسرية ان يتكيف مع واحدة من اقسى الحقائق المتصلة بالمعرفة المعولمة الحديثة على بشاعتها وفظاعتها احيانا.
ثالثا: في المنحى الخاص لملف المحكمة قد تكون التسريبات المسبقة للمعلومات المنتهكة لسرية التحقيق ساهمت في "هبوط" اقل قسوة للقرار الاتهامي. واذا قيست مقابلة "التايم" مع المتهم المجهول الهوية بهذا المعيار لأمكن الافتراض انها مبادلة بالمثل بالتسريب الاولي من الجبهة المناهضة للمحكمة. وفي الحالتين لجأ طرفا النزاع الى صحافة عالية المعايير تتمتع بصدقية مبدئية يصعب معها نقض ما تنشره.
رابعا: في حالتي تسريب المعلومات واجراء المقابلة حصل تشابه تلقائي في نفي المعلومات او استنكار نشرها او التنصل من مسؤولية انتهاك السرية. المحكمة غالبا ما كانت تنفي مسؤوليتها عن تسريب المعلومات، و"حزب الله" انكر بالكامل اجراء المقابلة رغم تأكيد "التايم" انها اجريت ولو بظروف شابتها التباسات. على الارجح ان ايا من الطرفين يدرك مسبقا ان "الافادة" الموازية لـ"التضرر" من نشر كبريات الصحف والمجلات الغربية لمعلومات من خارج السياق القضائي المتبع هو الثمن الحتمي الذي يتعين دفعه امام الدوي الذي يحدثه هذا النشر.
خامسا: على اغراء البريق الأخاذ الذي تلهث وراءه الصحافة والاعلام للفوز بالسبق الصحافي اليومي او الموسمي فان العولمة او ثورة تكنولوجيا المعلومات لن تقوى يوما على اسقاط السؤال "الاخلاقي" الابدي عن حدود "الاستباحة" لكل الارث القديم المتعلق بالسرية والخصوصية واين يقف تداخلها مع الحق في المعرفة وكشف الحقائق. ومع ذلك فان الخبر الجيد الذي يعني لبنان في هذا البعد الذي يبدو بعيدا جدا عن ادبياته هو انه بلد يظهر تباعا ولو بحذر شديد تكيفا هائلا مع كل انواع الحقائق بدليل انه تأهل فعلا لاسقاط فزاعة ذلك الشعار القائل: اما العدالة واما الاستقرار !