لم تكد تمرّ أيام معدودة على نَشر أجزاء من القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حتى فجّر معنيون بهذا الملف قنبلة دخانية غطّى دخانها تردّدات القرار وأصدائه وكافة ردود الفعل المحلية والإقليمية عليه. وبصرف النظر عن مضمون مقابلة "التايم" مع أحد المتهمين باغتيال الحريري من جهة، ونَفي "حزب الله" المتأخّر لحصولها ووصفها بـ"المُفبركة" من جهة أخرى، فإن توقيت الإعلان عن وجود متّهم رئيسي في بيروت، في وقت تنشغل فيه الحكومة بإثبات تعاونها المبدئي مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، يوجّه رسالة جديدة من "حزب الله" إلى الرأي العام اللبناني والدولي، يؤكّد فيها ثباته على موقفه الرافض والمتجاهل لأيّ آلية قضائية دولية تعمل على كشف الحقيقة في جرائم الاغتيال في العام 2005.
وبرأي جهات ديبلوماسية عربية في بيروت، فإن حديث "المتّهم" إلى "تايم" الأميركية، نجح بشكل باهر في تحويل الأنظار عمّا احتضنه القرار الاتهامي من وقائع واستنتاجات وأدلّة "ظرفية"، كما يسمّيها مقرّبون من الحزب نفسه، ولكنه أصاب بسهامه الحكومة وساهم في زعزعة مصداقيتها القائمة على الحفاظ على خيط رفيع من التعاون مع المجتمع الدولي، من خلال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وكشفت هذه الجهات أن انخراط الأطراف السياسية في دراسة سطور القرار الاتهامي، والتركيز من قبل قوى 14 آذار على تفنيد المعاني القانونية له، شكّل قوّة دفع كبيرة له، وأدّى إلى إشاعة مناخ اتهاميّ، ولو من دون أدلّة قوية، لجهة طرح تساؤلات عدّة في غير مجال حول مدى متانة دفاع الحزب عن "متّهميه" الأربعة، كما لجهة إقامة مقارنة بديهية بين ما يطرحه مسؤولو "حزب الله" في مقاربته للمحكمة الدولية وما يصدر عنها عبر تجاهلها وتحدّيها مباشرة، وبين الحدث السوري المعقّد والحصار الدولي المتزايد على نظام الرئيس بشّار الأسد، والذي لم يؤدِ إلى أي تغيير في نهجه المتّبع لمعالجة التحرّكات الشعبية. وبالتالي، فإنّ استباق صدور المزيد من القرارات الاتهامية، وإعلان أدلّة جديدة من خلال تفريغ القرار الاتهامي الأول من مضمونه، وتصوير الوقائع التي استند إليها بـ"الواهية" و"الضعيفة"، يشكّل محور الحملة المضادة للدفاع والهجوم التي باشرها "حزب الله"، والتي بدأت في الساعات الـ 48 الماضية، كما كشفت الجهات الديبلوماسية، والتي توقّعت مرحلة أكثر شراسة على المستوى السياسي كما القضائي بين الحزب والمحكمة، وإن كان "حزب الله" يؤكّد على تجاهله لمفاعيلها ووجودها، حتى من خلال ضرب مصداقيته بغير وسيلة. وإذا كان حديث "تايم" طغى على ما عداه من مستجدّات مرتبطة بالقرار المذكور، فإن تفاعلاته السياسية الداخلية قبل الخارجية، ستتصدّر واجهة الأحداث في الفترة الآتية، وذلك بموازاة المستجدات الإقليمية واقتراب الأزمة الليبية من الحسم، ووصول الأزمة السورية إلى منعطف خطير يهدّد المنطقة برمّتها، مرورا بالوضع العراقي الدموي ذي الدلالات المهمّة، سواء من حيث التوقيت، أو من حيث الأهداف، وتزامنا مع التطوّرات العسكرية المفاجئة على الحدود الإسرائيلية ـ المصرية.
إزاء هذه الوقائع والتطوّرات، فإن السؤال الأساسي المطروح اليوم هو ماذا بعد مقابلة "التايم" على الصعيدين السياسي اللبناني والقضائي الدولي، بعدما كان يتركّز على مرحلة ما بعد نشر القرار الاتهامي؟ تجيب الجهات الديبلوماسية أن القضية تتّجه إلى التعقيد مستقبلا، لأن القرار الاتهامي لم يغيّر من قناعة الفريقين الأساسيين على الساحة الداخلية، فحزب الله لا يعترف بالمحكمة أصلا، وتيار "المستقبل" يتّهمه باستنهاض الطائفة الشيعية والاحتماء بها لمواجهة العدالة الدولية.
أمّا على الصعيد القضائي الدولي، أضافت الجهات الديبلوماسية نفسها، أن المحكمة الدولية تحدّثت عن تعاون "معقول" من الحكومة اللبنانية، ولكن حديث "التايم" يهدّد بالإطاحة بهذا التعاون، ما يزيد الشكوك حول مصير القرار الاتهامي في المستقبل، فيما لو كانت القضية ستحال إلى مجلس الأمن، أم أن رئيس المحكمة القاضي أنطونيو كاسيزي سوف يعطي الحكومة فرصة ثانية لتسليم المتّهمين الأربعة، علما أن المحاكمة لن تبدأ قبل العام 2012 المقبل.