كتبت صحيفة "الجمهةرية": فيما استأثرت مقابلة مجلة "تايم" أمس بالحدث السياسي إلى درجة أنها طغت على القرار الاتهامي وما احتواه من تفاصيل، تجاوزت أوساط سياسية مطلعة في 14آذار المواقف والمواقف المضادة إزاء هذه القضية،لتتوقف أمام الخلفيات الكامنة وراء هذه المقابلة.
وقالت هذه الاوساط إن ثمة وجهة نظر تقول بأن حزب الله "تقصد إجراء هذه المقابلة عن سابق تصور وتصميم وبهدف واحد أوحد وهو تحوير الأنظار عن القرار الاتهامي ووقف التداول بتفاصيله الهائلة التي أزعجته وأربكته. ولكن الحزب الذي حاول الخروج من هذه المشكلة وقع في مشكلة أكبر، وهي ضرب صدقية الحكومة التي ليس فقط كان وراء تشكيلها، إنما تشكل المظلة السياسية له في مواجهة المجتمع الدولي، أي عبر وضعه الشرعية اللبنانية في مواجهة الشرعية الدولية، عوضا عن أن يكون في مواجهة مباشرة مع هذه الشرعية. فضلا عن أن الحكومة توفر له قدرة الإمساك بكل مفاصل الدولة اللبنانية بعد التحولات الاستراتيجية الحاصلة على مستوى المنطقة، وتحديدا بعد دعوة المجتمع الدولي الرئيس السوري بشار الاسد الى التنحي".
واضافت هذه الاوساط "أن هناك وجهة نظر ثانية لا تختلف عن الأولى من زاوية تأكيدها أن المقابلة مفتعلة، ولكنها تذهب في اتجاه آخر مفاده أن الحزب لا يكترث للحكومة التي هي آخر همومه، كما لا يكترث للمحكمة إلا من باب حرصه على "سمعته" في العالمين العربي والإسلامي، هذه السمعة التي شوهت منذ حرب تموز مرورا بمحطة 7 أيار 2008 وصولا إلى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، أي أن الحزب لا يأبه لما يمكن أن تتخذه المحكمة من إجراءات على الأرض التي يسيطر عليها، وبالتالي الهدف الأساس من وراء هذه المقابلة بما أنه لا يكترث للمحكمة والحكومة هو ضخ المعنويات لدى جمهوره وبيئته، في اعتبار أن هذه البيئة وهذا الجمهور يشكلان الحاضنة والحصن الأخير له".
وتقول هذه الوجهة ايضا "أنه في ظل التحديات التي يواجهها حزب الله من نشر القرار الاتهامي وانطلاق أعمال المحكمة إضافة إلى النهاية التي يبدو أنها باتت محتمة لنظام الأسد، يشعر الحزب بأن جمهوره يعيش حالا من القلق الشديد وبدأ بطرح جملة من التساؤلات عن المستقبل والمصير في ظل الخيارات التي يعتمدها حزب الله، وكذلك التحولات التي لا تصب في مصلحته.
وأمام هذا الواقع، تعتبر هذه الوجهة، حسب الاوساط نفسها، أن أولوية حزب الله في هذه المرحلة هي تحصين وضعه داخل بيئته التي تشكل ملاذه الأول والأخير، وهو لذلك، لا يجد أمامه سوى تقوية معنويات طائفته وشد أزرها عبر استنفار غرائزها.
وتذكِّر الأوساط في هذا السياق، ردا على مقولة أن ليس من مصلحة الحزب ضرب صدقية الحكومة، بما قاله امينه العام السيد حسن نصرالله بعد صدور القرار الاتهامي بأنه "لن يكون في الامكان توقيف المتهمين لا في 30 يوما او ستين يوما او ثلاثين سنة او 300 سنة"، معتبرة أن هذا القول "يشكل استهدافا واضحا لصدقية الحكومة الميقاتية، وهو كان في غنى عن إطلاق هذا الموقف، لأن ما قاله معروف بهذا المعنى، كون هذه الحكومة أو أي حكومة أخرى من 14 آذار أو غيرها عاجزة على توقيف المتهمين، وبالتالي السؤال الذي يطرح نفسه لماذا إذا تحدى نصرالله الحكومة التي كان وراء تأليفها قبل تحديه للمحكمة الدولية؟ والجواب ببساطة لأن الحكومة لا تدخل في حسابات السيد نصرالله، وما حاول القيام به هو إعطاء جرعة معنويات لمناصريه، على غرار ما حاول إعطاء الجرعة نفسها بعد صدور القرار الاتهامي من خلال افتعال مقابلة الـ"تايم".
اما وجهة النظر الثالثة فتقول، حسب الاوساط نفسها ايضا، أن "ما قام به الحزب في هذه المقابلة الشهيرة لا يخرج عن سياق الخطة التي اعتمدها منذ اللحظة الأولى لانطلاق أعمال المحكمة، أي محاولة ضرب صدقيتها وتشويه سمعتها عبر ما يسمى الشهود الزور وما تم نشره عن المحكمة في وسائل الإعلام، ولكن ما لم يتنبه اليه الحزب هو أن كل محاولاته باتت مكشوفة لجهة أن المحكمة باتت تعلم علم اليقين وبالقرائن والأدلة الدامغة والمحاولات التي قام ويقوم بها لاختراقها، وهي أعدت لهذه الغاية ملفا متكاملا سيتم كشفه في الوقت المناسب ويظهر الجهد الأمني المركز الذي بذله الحزب في هذا المجال، وكيف وبواسطة من تمكن من الحصول على بعض المعلومات التي يتضمنها القرار الاتهامي".
وتتوقف وجهة النظر الرابعة أمام نقطة سلبية وأخرى إيجابية في مقابلة مجلة "تايم": الإيجابية هي أنها كشفت إلى أي مدى حزب الله بات محشورا، وهذا ما يجعله يرتكب مزيدا من الأخطاء "المميتة" في ممارسته السياسية.
اما النقطة السلبية فهي ان الحزب بات كل همه منحصرا بطريقة مخاطبة بيئته، أي استنفار غرائزها، واستنفار الغرائز إجمالا ما يكون في مواجهة الطوائف الأخرى، وهذا ما ظهر ليس فقط من خلال هذه المقابلة أو من خلال قول نصرالله "لن يكون في الامكان توقيف المتهمين لا في 30 يوما او ستين يوما او ثلاثين سنة او 300 سنة"، إنما ظهر في شكل أساسي باستخدام نصرالله في إطلالته الأخيرة خطابا شيعيا بامتياز، وإن دل على شيء فعلى شعور الحزب بافتقاده المظلة السورية والإسلامية والوطنية".
الى أين من هنا ؟
تجيب الأوساط السياسية في 14 آذار أنه "أمام هذه الفضيحة الكبرى على الحكومة التوجه الى الرأي العام اللبناني والدولي لتفسير خلفيات هذه المقابلة أو الاستقالة من مهماتها الوطنية فورا، لأنه لم يعد ينطلي على أحد ان الدولة بكل مؤسساتها هي مجرد أدوات وظيفتها تنفيذ مخططات حزب الله ومآربه، وهذا ما لا يتناسب مع مصلحة لبنان وشعبه بوضعه في مواجهة الشرعيتين الدولية والعربية.