كتبت صحيفة "الوطن" السورية: إن قرار الاتهام الذي صدر عن المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي رفع بموجبه قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الخاصة بلبنان، دانيال فرانسين، السرية عن الجزء الأكبر منه، تضمّن فقرات يشتبه في أن وظيفتها الأساسية سياسية لا قضائية. أما التناقضات فتدلّ على إخفاقات مهنية غير مقبولة في مؤسسة تدّعي العمل بموجب أعلى المعايير الدولية. هنا قراءة سريعة تسجل أبرز الملاحظات:
1 – في الفقرة 59 من القرار يتهم «حزب اللـه في عمليات إرهابية»، ولا يذكر المصدر الذي استند إليه للحسم بتورط حزب اللـه في الإرهاب. مع العلم ليس هناك توافق دولي أو إقرار أممي جامع بتصنيف الحزب إرهابياً. ولم يصدر أي قرار عن محكمة أو هيئة قضائية دولية أو عن الجمعية العمومية في الأمم المتحدة أو عن مجلس الأمن الدولي (الذي أنشأ المحكمة الدولية بموجب القرار 1757/2007) يصنّف الحزب أو يشير إلى تورطه في الإرهاب.
2 – يصف المتهمين بأنهم «مناصرون لحزب اللـه»، وفي الفقرة نفسها ما يناقض ذلك بوضوح: إذ يرد الآتي: «استناداً إلى خبرتهما وتدريبهما وانتسابهما إلى حزب اللـه» فكيف يكون المتهمون مجرّد مناصرين لحزب اللـه كما يرد في مطلع الفقرة ومن ثمّ يتحوّل اثنان منهما إلى منتسبين إليه؟
3 – قرر المدعي العام بلمار إخفاء بعض المعلومات في النصّ بحجة الحفاظ على سرية التحقيقات التي مازال يجريها، ومن بين تلك المعلومات عدد الهواتف المستخدمة في ما أطلق عليه «الشبكة الحمراء». لكن بلمار حذف الرقم في مكان وذكره في مكان آخر في الجملة نفسها، إذ جاء حرفياً: شبكة سرية استخدمتها مجموعة الاغتيال وتتألف من (رقم محذوف) هواتف… وكانت هذه الهواتف الثمانية مستعملة في 4 كانون الثاني 2005 حتى توقف استعمالها كلياً قبل دقيقتين من وقوع الاعتداء في 14 شباط 2005 ما يدلّ على خفة في تعامل المدعي العام مع القرار الاتهامي وذلك عبر عدم تدقيق فريقه في نصّ القرار قبل تعميمه، ما يشير إلى تجاوز المعايير المهنية.
4 – لم يحمل القرار الاتهامي أي شيء غير متوقـّع، ولم يستند لأدلة واقعية بل لاتهام سياسي. ورغم ذلك تعاملت حملة قوى «14 آذار» مع القرار على أنه حكم مبرم، ما يدل أنه يعبر عن كيدية وهو مخطط سياسي، يستهدف المقاومة والعمل لإسقاط الحكومة.
واعتبر النائب نبيل نقولا أن «القرار الاتهامي سقط منذ تسريبه أي منذ عامين». والدليل الأول هو في توقيت نشر النص مع خطة استهداف سورية، بحيث أعيد تحريك المحكمة لشن حملة ضد حزب اللـه، بعد أن نجحت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي في الإقلاع، وتحريك عجلة الدولة.
استعمال القرار كورقة ضغط جاء بديلاً عن حالة انشغال الولايات المتحدة و«إسرائيل» والمعسكر الغربي برمته بأزمات كبيرة اقتصادية واجتماعية وخاصة أنهم غير قادرين حالياً عن النيل من قوى المقاومة في المنطقة، وعن شن حروب جديدة توهم خصوم المقاومة أنها ممكنة، كما توهموا قرب سقوط سورية، وفقاً لوعود جيفري فيلتمان.
5 – القرار الذي أصدره بيلمار، وكما وصفه السيد حسن نصر اللـه، جاء بمثابة اجترار منسوخ لما نشر في وسائل الإعلام قبل سنوات، وقد عرض لسيناريو افتراضي عن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبنى على موضوع الاتصالات المطعون بموضوعية الارتكاز عليها بعدما تكشف من وقائع وقرائن عن سيطرة «إسرائيل» على شبكات الاتصالات في لبنان.
6 – الخبراء الحقوقيون يطعنون أصلاً في منهجية بناء القرار على ما يسميه بلمار الأدلة الظرفية، التي تستخدم لإسناد القرائن الصلبة والاعترافات وشهادات الشهود في أي تحريك قضائي عادي، وتلك هي أصول متعارف عليها في القانون الدولي، يخالفها بلمار ويقلبها رأساً على عقب، كما يبني استنتاجات من تجميع الأدلة الظرفية ليصل إلى سيناريو افتراضي ليس فيه دليل واحد تعترف به المحاكم الطبيعية.
هذا وصرح الرئيس سليم الحص بأن القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري لم يأت بجديد، فمعظم ما جاء فيه كان معروفا منذ عام 2006، وقد سبق أن نشر في بعض الصحف ومنها «السياسة الكويتية»، و«دير شبيغل» و«الفيغارو» وسواها، وما نشر لا يغير شيئاً في واقع الحال. وعلامات الاستفهام التي كانت ترتسم على الخبر مازالت في جوهرها ماثلة.. ولا شك أن جهات دولية لها مآرب في القضية، وهذا ما قد يحد من موضوعية التفاصيل المعلنة.
ورأى آخرون أن «لا سبيل للمحكمة الدولية لاستعادة صدقيتها ما لم ير اللبنانيون والعرب والعالم أنها حاكمت شهود الزور وشركاءهم».
من جهته اعتبر العلامة السيد علي فضل اللـه، أنه بعد صدور القرار الاتهامي بتنا بحاجة إلى عدم النظر إلى كل القرارات الدولية ببراءة، بل الأخذ بالحسبان الخلفيات السياسية التي تحكم مثل هذه القرارات، والتوقيت الذي تصدر فيه… فنحن لسنا في عالم الملائكة والقديسين، بل في عالم تتحرك فيه المصالح والسياسات، ولا شيء غير ذلك».
وتابع: «إننا في هذه المرحلة، نحذر من نتائج كل هذا الاحتقان الذي تعيشه الساحة نتيجة تداعيات هذا القرار، لنؤكد للمسؤولين ضرورة ضبط الخطاب السياسي والديني، ونعيد التأكيد على أهمية العمل لحوار جاد يخرج البلد من كل هذا الواقع الذي يعاني منه.
المحكمة تكلف محامين للدفاع عن المتهمين
على وقع الخطوات العملانية المتتالية للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وردات الفعل الداخلية نحوها، توسعت دائرة التكهنات حول الإجراءات التي قد تقدم عليها الهيئة القضائية الدولية في حال عدم العثور على المتهمين الأربعة.
وعلى حين تشير المرجعيات القانونية المختصة إلى الاتجاه نحو محاكمة غيابية فإن أوساطاً مطلعة ترجح أن رئيس مكتب الدفاع في المحكمة فرنسوا رو سيكلف أربعة محامين مع فرق عمل لكل من المتهمين الأربعة لدرس القرار والاتهامات الموجهة إلى موكليهم على أن يتمتع المحامون بالتسهيلات القانونية كافة لاستكمال ملفاتهم لإجراء التحقيقات والطلب من دول التعاون لتكوين معطيات يجدونها ضرورة على أن تطبق عليهم سائر الإجراءات المطبقة في المحكمة بحيث يعتبر رفض أي من الدول التعاون بمنزلة عدم تعاون مع المحكمة الدولية بحد ذاتها.