دأب "حزب الله" منذ صيف 2006 على تصوير نتيجة الإعتداء الإســـرائيلي على إنّه انتصـار، وســـوق لهذا الإنجـاز في لبنـان والعـالم العربي، وأرســـل بإلحـاح رســـائل نصيّة في هذا الخصوص وتبنّى هذا التصوّر الكثير من الســـياســـين والأفراد.
ولكن اســـمحوا لي بكل تواضع أن أخالف هذا الرأي وذلك بالدلائل العلمية والموضوعية. إن النصر الذي يؤتى لمجموعة أو لدولة على مجموعة أو دولة أخرى يســـتتبع نتائج كاحتلال أو اســــترجاع أرض، أو فرض شـــروط على المنهزم أو حصول المنتصر على مكـاســـب…..
فإذا أمعنّـا النظر في مـا أعقب الحرب الإســـرائيلية الغـاشـــمة لوجدنـا أن "حزب الله" لم يســـترجع شـــبراَ واحداَ من أراضينـا المحتلّة، بل وإن القرار 1701 أجبره ولو نظريـاَ على الإنكفـاء الى وراء نهر الليطـاني.
أمّـا إذا دققنـا في حســـاب الأربـاح والخســـائر البشـــرية والمـادية لوجدنـا أن الميزان يمـيل وبوضوح الى الجـانب الإســـرائيلي فالقتلى وخـاصة المدنيين منهم أكثر بكثير في الجـانب اللبنـاني، أمّـا عن تدمير البنية التحتية فحدّث ولا حرج.
تبقى حقيقة أخيرة وهي أن "حزب الله" صمد بمقـاوميه ضد آلة الحرب الإســـرائيلية، ولكن بأي ثمن تكبّده لبنـان واللبنانيون بمجملهم. فهل هذا نصر لهم أم نصر الملك بيروس victoire à la Pyrrhus؟
وإذا أمعنّا النظر أكثر الى هذا الإنتصـار الذي فـاخر به "حزب الله" لوجدنـا أنه انتصـار من الدويلة على الدولة. فالدويلة اســـتطاعت أن تبســـط ســـلطتهـا أكثر على حســـاب ســـلطة الدولة، بل أصبحت هي الدولة والدولة دويلة.
فبالله عليكم من يملك فائض القوة من تجهيزات حربية وصواريخ؟ من يملك القدرة على تعطيل المقررات الحكومية الاّ تلك التي تصبّ في مصلحته؟ من يملك القدرة على حشـــر الأتبـاع في الإدارات؟ من يملك القدرة على جعل منـاطقه مغلقة على أي رجل أمن أو قـانون بينمـا كل المرافق (كالمطار مثلاَ) مســـتباحة له ولإتبـاعه؟….
إن الحزب – بعد أن نجح في تنميط وتأطير أكثرية الطائفة الشـــيعية الكريمة، أخضع الزعيم الدرزي الأبرز واســـتتبع المـاريشـــال بيتان Pétain أو الجنرال بولانجيه Boulanger (أعتذر من أقربـائي آل فرّان) المســـيحي وبعض ســـياســـيي الســـنة ( ولا أدري بمـاذا: المـال او المقـاعد النيـابية) – هو اليوم على أبواب المرحلة الأخيرة من مشـــروعه القـاضي الى تحويل لبنـان الى جمهورية دينية، أصولية، تتنـافى مع الميثـاق الوطني الذي ارتضـاه اللبنانيون يوم الإســـتقلال، وبدل من أن نصل كمـا أراد آبـاء الإســـتقلال الى الدولة المدنية اللاطائفية الحديثة، هـا نحن على شـــفير الإنجراف الى دولة تيوقراطية لا تنـاســـب تنوع المجتمع اللبنـاني وتتنـافى مع طبيعته وعلّة وجوده.
لا أريد أن يفهم من كلامي اي تعصّب ديني فإنني وعلى رؤوس الأشــهاد مع الزواج المدني وقـانون مدني للأحوال الشـــخصية ومع عدم زجّ الدين في الســـياســـة ومع تكـافوء الفرص للجميع على قاعدة الكفـاءة ونظـافة الكفّ.
ومن هذا المنطلق أدعو جمهور الإســـتقلاليين والمجتمع المدني لترجمة قنـاعـاتهم في صنـاديق الإقتراع تأييداّ لدولة حديثة، مدنية، عادلة، قوية وإلاّ على لبنـاننا الســـلام والســـلام.