تطوّرات ليبيا حجبت كلام الأسد وفرضت استخلاصاتها
الغرب يُسقط وضع القذافي على النظام السوري
تخشى مصادر سياسية لبنانية ان يكون الحديث الذي ادلى به الرئيس السوري بشار الاسد مساء الأحد قد ضاع مضمونه بالنسبة الى الداخل السوري كما بالنسبة الى الخارج في حمأة التطورات الليبية التي تكتسب اهمية كبيرة بالنسبة الى المجتمع الدولي كما الى الدول العربية. وهي ترى انه كان يجدر تغيير توقيته او تأجيله من اجل ان يأخذ موقعه في سياق التطورات السورية ويحظى بالقدر الكافي من الاهتمام لا ان تحجبه التطورات الليبية، اذ طغت على مواقف الدول الاقليمية والدول الاوروبية الاستخلاصات البديهية من انتصار الثوار الليبيين على النظام والمسارعة في اسقاط هذه الاستخلاصات على الوضع السوري، خصوصا في ظل اقتناع سياسي وديبلوماسي كبيرين ان ما حصل في ليبيا سيعجل في التغيير السوري. فلم يخل اي موقف دولي علق على الوضع الليبي وانتهاء حكم القذافي من ربط اقامه هؤلاء بين ما يجري في ليبيا وما يجري في سوريا، في رسائل واضحة وجهت الى النظام السوري بهذا المعنى وفي تجاهل مقصود لمضمون الحديث الاخير للرئيس السوري وما حمله من رسائل إن لجهة الاصلاحات التي يعتزم تنفيذها او التحذيرات من استهداف سوريا من الغرب. لا بل قد يكون ساهم في اذكاء الانطباع بحجب التطورات الليبية مضمون كلام الاسد حتى على المستوى السوري الداخلي ما سرى على وسائل التواصل الاجتماعي المعتمدة لتحفيز الانتفاضة في سوريا من حماسة سورية بقرب سقوط الرئيس الليبي معمر القذافي في رد الفعل على الكلام الذي ادلى به الرئيس السوري. اذ ان المعارضة السورية التي كانت خائفة من سيناريو مماثل للسيناريو الليبي على صعيد حصول حرب داخلية استنزافية لا تنتهي يمكن ان تشجعها الخلاصة الليبية، في حين تقول المصادر نفسها ان التأثير النفسي للوضع الليبي يمكن ان يكون مزدوجا بحيث يسري على نحو مواز على طرفي النزاع في سوريا من حيث انتصار المعارضة الليبية وما يعنيه ذلك للمعارضة السورية وسقوط النظام الليبي الذي كان يعتد بوقوفه في الاشهر الماضية في وجه الاجراءات والمواقف الدولية وصموده على رغم كل ما حصل ثم انهياره في نهاية الامر.
وبحسب هذه المصادر، فان المشهد الذي يمكن ان يكون شديد الوطأة ويكتسب مغزى كبيرا هو اولا ان الممانعة التي واجه بها النظام الليبي التغيير السلمي كما حصل في مصر وتونس شجع او ساهم في اعطاء الانطباع بأن وقوف الانظمة في وجه التغيير يمكن ان ينجح ويشكل سدا امام ما سمي الربيع العربي لئلا يذهب الرؤساء والحكام كما ذهب زين العابدين بن علي وحسني مبارك بثورة ايام تنهي عقودا من الحكم. وهو امر ساعد في تصليب الموقفين الرسميين السوري واليمني في الاشهر الأخيرة، في حين ان ما حصل يفترض ان يطرح اعادة النظر في الحسابات . ثانيا مسارعة السفارات الليبية في الدول العربية خصوصا الى اعلان انشقاقها عن القذافي وانضمامها الى الثوار بما في ذلك السفارة الليبية في دمشق التي لم تتأخر عن الالتحاق بهؤلاء فور اتضاح المعلومات عن سقوط طرابلس الغرب في ايدي الثوار، في خطوة من شأنها ان تظهر ان الانقلاب سهل في المؤسسات. وثالثا مسارعة دول عربية كانت تحفظت او ترددت حتى الآن عن الاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي الى القيام بذلك فورا. وهي امور من شأنها ان توجه رسائل قوية، تقول المصادر المعنية، من حيث ايضاح الصورة المستقبلية للامور في حال كانت ثمة مخاوف من الغموض، علما ان هذه المخاوف مشروعة ولا يمكن احداً ان يقدم ضمانات في شأنها.
ولا تخفي المصادر نفسها ان الانتهاء من حكم القذافي سيقوي عزيمة الغرب وحججه ازاء الضغط على النظام السوري، خصوصا ان الدول التي سبق ان تحفظت على دعم ازاحة القذافي ما لبثت ان دعمت المجلس الانتقالي الليبي بما في ذلك روسيا وتركيا في مشهد تراه هذه المصادر يستعيد نفسه بالنسبة الى النظام السوري مع كل الاحتمالات المماثلة. وتدلل هذه المصادر على ذلك بأن الامين العام للامم المتحدة بان كي مون، الذي كان تلقى رسالة من الرئيس السوري الاسبوع الماضي يعلن فيها انه اوقف العمليات العسكرية ضد المدن والبلدات السورية من دون ان ينجح او يوقف عزم الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على طلب تنحي الرئيس الاسد، اعلن بعد ساعات من الاعلان عن سيطرة الثوار على طرابلس الغرب ان الرئيس السوري لم يف بتعهداته في وقف العمليات العسكرية مما يؤشر الى احتمال بدء الاعداد لمواقف اكثر تشددا ازاءه لن تلبث ان تظهر خصوصا اذا نجحت الآلية الدولية في توقيف القذافي واحالته على المحاكمة. إلا ان الاخطر في ما حملته المواقف الغربية الفورية، في رأي المصادر نفسها، هي استعدادها للانصراف او الاهتمام عن كثب بالموضوع السوري ولو ان الجميع يقر بأن الوضع في سوريا يختلف عما كان في ليبيا، وقد انتقل الصراع الاقليمي والدولي بين ايران وعدد من دول المنطقة وبينها وبين بعض الدول الكبرى المؤثرة الى سوريا على نحو سيكون اكثر وضوحا من السابق، مما يرشح الوضع الى استنزاف قد يطول على ما يخشى كثر.