أيام، وربما ساعات، ويصبح معمر القذافي، أو يمسي، من الماضي، لكن تجربته ستظل نموذجاً للعبرة: عسكري برتبة متواضعة قاد انقلاباً غضت عنه "الامبريالية" الأميركية النظر في حينه، واستمرت تحضنه حتى في أزمنة الخلاف معه، لضرورات استراتيجيتها في المنطقة، ولمقتضيات الثنائية القطبية مع الاتحاد السوفياتي.
أخرج القذافي، بانقلابه، ليبيا من التخلف. وكلما كانت تتقدم خطوة في العصرنة (المحدودة) كان يزيد وهم الأبوة لديه عليها وعلى ابنائها، إلى حد الألوهة: توهم انه سبب وجود بلاده وابنائها، فصارت بيته، وصاروا رعاياه. أعطى نفسه عليهم حق الحياة والموت، فاخترع لهم تاريخاً خاصاً، وفرض عليهم نظاماً سياسياً خاصاً، واستولد لهم قيماً خاصة، جعلت من مصادرته حرياتهم مسلمة وطبيعة ثانية. اتخذ من أموال النفط الليبي وسيلة لتوسيع زعامته. أخرج من "قبعته" ما سماه "الكتاب الأخضر". وريقات ونصوص مبهمة في اثنين وثلاثين صفحة وأقل من ألفي كلمة، اقتضى "شرحها" آلاف الصفحات واطناناً من الورق.
تضخمت "أنا" القذافي، وتعولمت. صار يعرض "تجربته" على قادة افريقيا، بعدما يئس من أندادهم العرب، ليقتدوا به ويبايعوه.
كان "ينفلش" على العالم، بينما يحفر الظلم عميقاً في نهارات شعبه ولياليه. ويوم انفجر في وجهه، ظلّ يتناسى السبب الحقيقي. رأى في ما يجري مؤامرة غربية، أوروبية أميركية، على ليبيا التي وحده يراها في القمة. لم يفهم أن "العيال كبرت" ولم تعد تنطلي عليها أبوته المريضة. لم يرغب في رؤية الحقيقة: الشعب يريد الحرية والديموقراطية والكرامة. أما المسؤولية عن تسهيل "المؤامرة" فليست على "الرعية" بل على من يرى نفسه إلهاً بيده يومها وغدها.
القذافي ثالث الأنظمة التي تهاوت، ومعها منطق الاحكام العرفية، أو الطوارىء. والعقدة نفسها: يظن رأس كل نظام أنه هو رأس الحكمة وضمان الوطن، ومن دونه تسقط البلاد في يد الأعداء. في سوريا، يتحدث النظام بالمنطق ذاته. لا ممانعة ولا مقاومة ولا سلام داخلي من دونه، والترجمة لم يقرأها السوريون منذ حرب 1973 إلا حال طوارىء، يوم رفعت حل مكانها "حال الشبيحة".
في لبنان أيضا، حال طوارىء باسم مقاومة وممانعة شبيحتها القمصان السود. في البلدين الشقيقين، سؤال لا يجيب عنه النظامان، المعلن في دمشق، والمموه في بيروت: هل يعارض الشعب الممانعة والمقاومة الحقيقيتين، أم يعترض على حرمانه الديموقراطية، وحقه في القرار؟
الديكتاتورية صفة الحاكم المستبد الذي يعتقد أنه وحده يعرف مصلحة الشعب وأن غيابه سيترك فراغا لن يسده سوى أعداء الوطن. وقائع تونس ومصر وليبيا تقول العكس، والرد الأوضح جاء من سيناء.
عمر إسرائيل 63 سنة. الأنظمة المنهارة وقيد الانهيار "قاومت" و"مانعت" منذ أكثر من 40 سنة، على ما تقول، فاستمرت هي واسرائيل. عجباً!